كتابة وتصوير: مفلح العدوان - وكأنها الندى.. وكأنني الوحيد الذي ألملم قطرات الطلّ، تلك، ذات حنين، حيث تآلف التوق، مع نيّة الكشف عن الذاكرة المختزنة في ساكب، القرية التي تعانق الجبال، ولا تبوح بفيض أسرارها إلا لمن يأتيها محملا بشوق حقيقي لها، وأنا المشتاق الذي عقد النيّة على تصفّح مخطوطها، وبدأ البوح لها، ومعها، مع تصفح كتاب أرضها؛ شجرا، وبشرا، وحجرا، وفضاء يسرّ الناظرين.. أنا المشتاق!

جبل طرون
آتي إلى ساكب..
هي ذي تنداح أمامي معلنة سردها على مسمعي، وأنا أدوّن تفاصيل حكاية القرية، يا لروعة تلك الحكاية.. سأبدأ الآن من محمية الغزلان التي زرتها، كأن الألفة، والسكينة، تسكن هناك، ها إني أتأمل عيون الغزلان، انسياب جسدها، حركاتها قريبا من الجدار الشبكي حولها.. أراها، فأهيم في ملكوتها، وأوقن أن الأرض الطيبة التي تحضنها، تشع ألفة، وأمنا، وطيب مقام لها.

آتي إلى ساكب..
ما زال رفيقي معي، وكأنه يحاول إعادة رسم هذه اللوحة لقريته، وحين أقول له «يا غسان» يرد عليّ «إنها مرابع طفولتي»، ويكمل الفنان الصديق غسان مفاضلة، تشكيله لهذه اللوحة على هواه، مرة من ذكرياته في القرية، ومرة من تجليات خيال المبدع الساكن في روحه، وقال لي: جبال كأنها الحرّاس للقرية تتمركز في إطار قريتي؛ ساكب، وهي تشكل جغرافية الوجدان فيها، وأينما يممت وجهك فثمة جبال وغابات حولك، ولو سألت أهل قريتي عنها، لرووا حولها قصصا، وأساطير.
وسألت كبار القرية عن تلك الجبال، فقال لي الحاج محمد سليمان العودة الفاضل بني أحمد (العياصرة) «أبو بسام»: «أول جبال من جبال عجلون تبدا من ساكب، نعم، هو جبل طرون في ساكب، وهناك مقام طرون موجود على رأس الجبل، وتميزه حجارة أثرية محفورة فيه.. احنا نسميه تل طرون، وفي كمان تل الأقرع، وتل التينة.. احنا نقول عنها تلال.. لكنها جبال.. جبل الأقرع معروف، ومشهور..».

لبنان الأردن
أعود إلى ما كتب عن جغرافية ساكب، وجبالها، وهنا أوثق ارتفاع جبالها، بحسب موسوعة ويكيبيديا على شبكة الانترنت، على النحو التالي: «جبل القاعدة: 1243م. جبل مقطع القرمية: 1197.8م. جبل طرون: 1127.7م. جبل الادراج:1110م. جبل الأقرع: 1092م».
ولكن عند العودة إلى كتاب «تاريخ شرقي الأردن في العهد العثماني» للدكتورة هند أبو الشعر، في تحديدها لجبال عجلون بأنها «تبدأ ما بين نهري اليرموك والزرقاء، وتشكل حزاما يصل أقصى ارتفاعه عند جبل أم الدرج، ويبلغ 1247 مترا عن سطح البحر، وقد أطلق على هذه السلسلة اسم (لبنان الأردن)، ومن قممها المعروفة رأس جبل منيف ويرتفع 1198 مترا عن سطح البحر، ورأس الأقرع ويقع بين قريتي ساكب ودبين، ويبلغ ارتفاعه 1098 مترا عن سطح البحر..».

«ربوع الدولة»
 عندما استكملنا جولتنا، وكان معنا راتب محمد سليمان العياصرة، مرّ على ذكر مواقع أخرى في ساكب: «جبل أبو نمر، ووادي سالم في الجهة الشرقية من القرية، وعين أم جوزة في الجهة الجنوبية». وحين كان مرورنا قريبا من مسجد عمر بن الخطاب في ساكب، تذكرنا ما قاله الحاج أبو بسام بأن «أقدم مسجد في القرية هو مسجد عمر بن الخطاب، عمره يقارب ال 90 سنة، حيث انه بني عام 1923م، هو ومسجد قرية سوف القريبة..» وأضاف «أبو بسام» تفاصيل أخرى، بأنه «في منطقة ربوع الدولة، صيّف الملك عبد الله الأول، وتمت فيها صلحة مهمة انتهت فيها منازعات داخلية بين أهل المنطقة ومناطق مجاورة، وفي ربوع الدولة توجد مقبرة، هي واحدة من ضمن أربع مقابر في ساكب، اغلقت ثلاث منها، وبقيت واحدة فقط» .

سيسب
تشير الوثائق القديمة إلى أن ساكب كانت مزدهرة زمن الإمبراطورية البيزنطية (الإمبراطورية الرومانية الشرقية)، واشتهرت بأنها كانت مكانا لصك العملة الرومانية، بالإضافة إلى كونها مركزا رئيسيا لعصر الزيتون، ويستدل على ذلك بكثرة معاصر الزيتون الرومانية القديمة، وكثرة المدافن البيزنطية فيها.
وازدهرت كذلك زمن الدولة الأموية في منطقة أم جوزة، حيث دلّ على ذلك بقايا آثار لبعض المساجد. وعرفت في عهود من التاريخ الاسلامي باسم (سيسب). وفي أواخر القرن السادس عشر، كانت ساكب الحالية تشمل ثلاث قرى هي قرية ساكب، وقرية عيصرة، وقرية بعنه (بقية) الفوقا.

«الصباح الانجليزي»
كما أنه قد زار ساكب الملك جورج الخامس ملك انجلترا، عندما كان أميرا لويلز، يقود طاقم سفينة ملكة المملكة المتحدة في رحلة إلى الشرق ما بين الأعوام 1897-1882م، ويرافقه فيها أخوه الأمير البرت فيكتور، وبحسب ما دوناه في ملاحظاتهما يقولان: «دخلنا قرية ساكب في الساعة 9:10 دقائق صباحا، وعبرنا وادي حيمتر (أحيمر)، وكانت الذرة تملأ الجزء السفلي من الوادي، ويحيط بجوانب الوادي غابات من الصنوبر والسنديان. لقد كان صباحا يشبه الصباح الانجليزي الممتع، وظن بعضنا أننا في ويلز، والبعض الآخر ظن أننا في اسكتلندا». ثم يذكران مشاهداتهما لأنواع مختلفة من الطيور والحيوانات والأشجار والأزهار، ويذكران أن المنطقة منفذ مهم لغرب الأردن، حيث يتاجر السكان بالمزروعات والحبوب.
وكذلك زار المنطقة الضابط والرحالة البريطاني كلاود كوندر بين عامي 1881-1882م، وقال: «وجدنا آثارا لقبور رومانية في ساكب، وهناك وديان جميلة خضراء تنهمر من جبال عجلون. وإذا استثنسنا بساتين بانياس، لا يوجد شىء في فلسطين الغربية يمكن مقارنته بجمال وديان جلعاد في الشرق. وشاهدنا فارسا يجول على حصانه من خلال سفح من البلوط والبطم والصنوبر. وهناك الوديان المهدبة بشجر الدفلى مختلطة مع الأشجار ذات الأوراق الخضراء والصفراء والخمرية التي تغطي المنحدرات الشديدة، مما يقدم مشهدا من الجمال الهادىء المتقلب بين الضوء والظل».
 
«العياصرة»
ورد في الجزء الثاني من «موسوعة الديار الأردنية» للدكتور محمد عبده حتامله، حول قرية ساكب بأنه «تعتبر بلدة ساكب بموقعها الجبلي الجميل، وإحاطتها بالغابات الحرجية من معظم جهاتها، وخصوبة تربتها، من البلدات الجاذبة للسكان، يضاف إلى ذلك أن البلدة تحتل الرقم الأعلى من حيث الخصوبة في الإنجاب على مستوى العالم أجمع، فقد وصل متوسط تعداد الأسرة فيها إلى خمسة عشر فردا. وقد بلغ عدد سكان ساكب حسب تقديرات عام 1988م (5310) نسمات، وارتفع عدد سكانها حسب إحصاء عام 1994م إلى (8237) نسمة، وازداد هذا العدد إلى(10886) نسمة حسب إحصاء عام 2004م. وتدل أرقام السكان المتعلقة ببلدة ساكب على أن ازديادهم مطرد بشكل لافت، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية والصحية، حيث أصبح كثيرون منهم تحت خط الفقر، كما أن الأمراض، وخاصة الأمراض السرطانية تنتشر بينهم، والتي يرجع سببها إلى زواج الأقارب. والجدير بالذكر أن جميع سكان بلدة ساكب هم من العياصرة باستثناء أعداد قليلة من الوافدين إلى البلدة. والعياصرة فرع من قبيلة عنزة، وقد جاءتهم التسمية لأنهم سكنوا خربة عيصرة بجوار ساكب، ثم استقروا في ساكب».
ولكن الحاج محمد بني أحمد «أبو بسام»، يقول في سياق الحديث عن عشيرة العياصرة، بأن الجذور الأولى للعشيرة، العياصرة يعود إلى عسير، في الجزيرة العربية، وبعد ذلك يمكن ان يكون من عصيرة في فلسطين، وقرية ساكب «معظم العائلات فيها من عشيرة العياصرة، وهناك عائلة واحدة من البوريني، وعائلة ثانية من الترك.. والعياصرة في تقسيمتهم الداخلية، يقسمون إلى العشائر التالية وهي: بني أحمد (الأكثر تعدادا)، وبني محمد، وبني عمر، وبني حمدان. وكذلك دار علي. ويبلغ تعداد ساكب تقريبا 18 ألف نسمة، ويعمل معظم أهل القرية في الوظائف الحكومية، والقوات المسلحة، وقسم قليل في الزراعة».

القس كلاين
وفي سياق الحديث عن العمل في الزراعة يمكن العودة إلى ملاحظة الدكتور محمد عبده حتامله في «موسوعة الديار الأردنية»، بأنه في ساكب «يهتم السكان اهتماما ملحوظا بزراعة الزيتون بشكل خاص، فبساتين الزيتون تشكل غابات كثيفة تطل عليها البلدة من جميع جهاتها، وخاصة الجهة الجنوبية، والجنوبية الغربية، التي تبدو غابة متصلة من أشجار الزيتون. كما يهتم السكان، ولكن بدرجة أقل، بزراعة الأشجار المثمرة الأخرى مثل التين واللوزيات».
ولكن قرية ساكب يمكن اضاءة جانب اجتماعي فيها، يضيف إلى تشكيل الخريطة الديموغرافية فيه، خلال فترة زمنية سابقة، حيث تشير الكتابات إلى أنه كان يتواجد فيها مسيحيون، اغريق أرثوذكس، وهنا يمكن العودة إلى كتاب «قضاء عجلون 1864-1918م» للدكتور عليان عبد الفتاح الجالودي، حيث يشير إلى أن «القس كلاين زار قضاء عجلون عام 1868م، وأشار إلى القرى التي يسكنها مسيحيون، في الستينات من القرن التاسع عشر، وهي راجب وبرما والجزازة والنبي هود والكتة ومقبلة وخربة الوهادنة وحلاوة وأوصرة وسوف وريمون وساكب وعين جنا وعنجرة وكفرنجة ودبين، وذكر أن هؤلاء يعملون في الأعمال الحرفية التي يحتاجها الفلاحون، مثل صناعة المحاريث، وحذو الخيل مقابل مقدار معين من الحبوب، وجميعهم اغريق ارثوذكس».


سيرة قرية ساكب



تقع قرية ساكب غرب جرش، في منتصف المسافة بين عجلون وجرش، وعلى مسافة حوالي 11كم من كلتا المدينتين. وتتبع القرية إلى لواء القصبة من محافظة جرش، وهي من ضمن بلدية المعراض.

الديموغرافيا:

يبلغ عدد سكان قرية ساكب، بحسب آخر تعداد عام للسكان والمساكن عام 2004م، حوالي ب(10272نسمة) (5429 ذكور و4843 إناث)، يشكلون 1595 أسرة، تقيم في 2064 مسكنا. ويفيد أهل ساكب بأن عدد سكان القرية في الوقت الحاضر قد بلغ حوالي 18 ألف نسمة.
 
التربية والتعليم:

يوجد في قرية ساكب عدد من المدارس هي: مدرس ساكب الثانوية الشاملة للبنين، ومدرسة ساكب الثانوية الشاملة للبنات، ومدرسة آمنة بنت وهب الأساسية للبنات، ومدرسة ساكب الأساسية للذكور، ومدرسة المرج الابتدائية المختلطة، ومدرسة أم جوزة الابتدائية المختلطة، ومدرسة الهوّاية الأساسية المختلطة، ومدرسة بدر الأساسية المختلطة، ومدرسة الجمعية الأساسية المختلطة، ومدرسة عيصرة الأساسية المختلطة.

المجتمع المدني:

 يوجد في ساكب جمعية الصفصافة الخيرية، وجمعية ساكب الخيرية التعاونية، ونادي ساكب الرياضي، ومحمية ساكب الطبيعية.

الصحة:

يوجد في القرية مركز صحي أولي
يوجد في القرية 19 مسجدا.