د. نزار جمال حداد - «حين يختفي النحل من الأرض، يبقى للجنس البشري أربع سنوات فقط يعيشها؛ لا نحل، لا تلقيح، لا نباتات، لا حيوانات، ولا إنسان ...»، قد يبدو هذا القول المأثور للعالم البرت اينيشتاين (1879-1955)، على انه قول مبالغ فيه، إلا ان كافة الدراسات الحديثة تشير الى الدور الكبير الذي يلعبه النحل في تدعيم الاقتصادات الوطنية للعديد من دول العالم. فليس الامر عسلا وشمعا وغيرها من منتجات الخلية فحسب، بل الامر الاهم هو الدور الفاعل الذي يلعبة نحل العسل في زيادة الانتاج الزراعي كما وتحسينه نوعا، حيث يعتبر نحل العسل الملقح الرئيس للعديد من المحاصيل الزراعية للنباتات البرية. وفي ظل انخفاض تعداد الحشرات البرية الملقحة كالنحل البري والفراشات وغيرها من الحشرات الملقحة والناجم عن الزحف العمراني والاستخدام الواسع للمبيدات الحشرية والحراثة والتعشيب، أصبح انتشار الحشرات البرية الملقحة محدوداً جداً ومنحصراً في اطراف المزارع والمناطق الهامشية غير المفلوحة. وقد بينت نتائج دراسة مديرية بحوث النحل الاردنية أن قيمة الإنتاج الإجمالي لاثني عشر محصولا تلقح عن طريق النحل بلغت 117.4 مليون دولار لعام 2005 وقد اسهم النحل في زيادة انتاجها بقيمه 50.7 مليون دولار للعام المذكور، وهذه الزيادة أكثر من قيمة الإنتاج المحلي لذلك العام من العسل بمقدار 16 مرة؛ والذي يبلغ 3.1 مليون دولار . ومن الاقوال الهامة لاحد علماء النحل المرموقين المعاصرين قول العالم الالماني يورغن تاوتز أنّ « تأثير أنشطة النحل يصل حتى قطعة اللحم التي توضع في أطباقنا» لما يقوم به النحل من دور في المحافظة على التنوع الحيوي للمراعي من خلال تلقيح نباتات المراعي لتكون بذورا وتستمر في البقاء مما يؤثر ليس بطعم قطعة اللحم فحسب بل وحتى فرصة وجودها أصلا، فبدون نحل لن تجد مراعي وبدون مراعي لن تجد علفا وبدون علف لن تجد حيوانات لتعطيك طبق اللحم.
وقد شهد مربو النحل منذ العام 2007 اعواما عصيبة في تربيتهم للنحل في العديد من دول العالم ومن بينها الاردن، والدول العربية حيث بلغت نسبة النفوق والاختفاء مقدارا يهدد بقاء هذه الصناعة، وقد كان اوج المشكلة في الاعوام 2007-2008. ومنذ ذلك الحين حاول العديد من العلماء والمؤسسات البحثية تحليل الواقع وإجتراح حلول لهذه المشكلة، ومن بين هذه المؤسسات، المركز الوطني للبحث والارشاد الزراعي من خلال مديرية بحوث النحل.
ونشير تاليا الى بعض التفسيرات التي لاقت قبولا منطقيا لدى العلماء فيما يتعلق بتراجع اعداد النحل:-
1. الأمراض الفيروسية: هنالك العديد من الامراض الفيروسية التي تصيب النحل إلاّ أنه لا يمكن علمياً القول بأن فيروسأ محددا هو السبب الوحيدً وراء موت النحل، بل تعمل هذه الفيروسات بالإضافة إلى أمور أخرى على إضعاف الخلية لتصل إلى مرحلة النفوق.
2. حلم الفاروا: تمّ تسجيل حلم الفاروا في المناحل الأردنية منذ عام 1985 وينتشر هذا الحلم عامّة في جميع مناطق المملكة. لا تكمن مشكلة هذا الحلم في ذاته فقط من حيث امتصاصه لدم النحلة واليرقة، وإنّما لكونه حلما ثاقبا ماصا يؤدي إلى نقل الإصابات الفيروسية وغيرها بين طوائف النحل وبين أفراد الطائفة الواحدة.
3. النوزيما: يعتبر مرض النوزيما من المسببات الرئيسية لظاهرة الموت الربيعي عالمياً، ومن خلال مشاهداتنا هذا العام تبيّن أن العديد من المناحل التي تعرضت للموت بعد موجة الصقيع كانت تحتوي على المسبب المرضي للنوزيما.
4. حبوب اللقاح: يعد نقص حبوب اللقاح واحداً من أهم أسباب تراجع أداء الخلايا في منطقة الشرق الأوسط بسبب ضعف الغطاء النباتي؛ مما يدفع النحالين إلى استخدام حبوب اللقاح المستوردة بالإضافة إلى خميرة البيرة وجريش فول الصويا في تزويد الخلايا باحتياجاتها البروتينية.
5. النحل المستورد: نشط عدد من مستوردي النحل في استيراد طرود النحل من بعض الدول العربية، حيث يعتقد بأن هذا النحل وبحسب النحالين الذين قاموا بشرائه؛ كان من بين الخلايا عالية نسبة النفوق؛ علماً بأن هذا النحل لم يفحص مخبرياً لتحديد إمكانية وجود المسببات المرضية معه وخاصة الفيروسية والنوزيما وغيرها.
ومما لا شك فيه، أنه إذا لم تتضافر جهود مربي النحل مع الجهود الرسمية لحل هذه المشاكل، فإن قطاع النحل سيواجه مشاكل صعبة حيث يتوجب على النحالين تنظيم انفسهم لتستطيع الدولة التعامل معهم. وقد يكون الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين هو الحل وذلك من خلال دعمه ليستطيع تنظيم عملية استيراد العلاجات الناجعة للفاروا والنوزيما مع البحث عن فرص لدعم هذه العلاجات سواء رسميا أو من خلال مؤسسات مانحة، بالإضافة إلى معاملة كميات كافية من حبوب اللقاح إشعاعيا لتعقيمها، لتستخدم في تغذية النحل من خلال اتفاقية مع المركز الوطني للطاقة النووية. ولا بد من إيجاد مرجعية قادرة على تحليل عينات النحل المستورد قبل إدخالها إلى المملكة، لانه يستحيل تشخيص جميع الأمراض بالعين المجردة، الأمر الذي يجعل السلالات المحلية في مهب الريح ومهددة بالأمراض الواردة مع النحل المستورد. ويجب أن يتوجه القطاع الخاص صاحب الشأن إلى العمل الجماعي بدلا من العمل الفردي وتحت غطاء مؤسسي من خلال اتحاد المزارعين، لتتم السيطرة على مشاكل هذا القطاع وتغطية احتياجاته، علما بأن مديرية بحوث النحل في المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي تقدم المساعدة للنحالين مجانا من خلال تشخيص الأمراض وتوجيه الإرشادات.

مدير مديرية بحوث النحل – المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي
رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين
drnizarh@gmail.com