نصوح المجالي

ثلاث حكومات متتالية اصطدمت بموقف الحركة الاسلامية الرافض للحوار, الذي يقوم على الزام الحكومة سلفاً أو ضمناً بشروط الحركة الاسلامية, حكومة السيد عون راهنت على تطويع الحركة الاسلامية وقدمت وعوداً بتلبية جزء مهم من شروط الحركة, بحسب ما اعلن بعض قادة الحركة, لكنها ادركت بعد فترة ان الاخوان المسلمين جادون في شروطهم, وان الحكومة غير قادرة على تنفيذ وعودها فزاد ذلك من تعقيد الموقف, وحكومة السيد فايز الطراونة لا يمكن ان تلتزم بما لم تستطع تحقيقه حكومة السيد عون لأن هندسة قانون الانتخاب وفق اجندة الحركة الاسلامية تشكل مصادرة لارادة الاردنيين وتخل بالعملية الديمقراطية, لأن الاساس أن يلبي مشروع قانون الانتخاب طموحات الشعب الاردني وليس فقط اشتراطات المشروع الاخواني.
لقد استعصى الحوار الذي يؤدي الى التشارك والتآلف السياسي ايضاً في الساحة المصرية, وحدثت حالة مشابهة في تونس, وحدها المغرب تجاوزت الحركة الاسلامية فيها حالة الاستعصاء بالتآلف والحوار والتجربة المغربية ما زالت في بداياتها.
استعصاء الحوار السياسي يرتبط عادة بشروط مسبقة يطرحها طرف سياسي يتمترس وراء مشروع له طموحات اكبر من ساحته عندها يصبح القصد اسقاط مشروع حزب أو تيار سياسي على برنامج الدولة المعنية تحت مسميات وشعارات عامة.
احدى الوسائل لتحقيق ذلك مواصلة الضغط على الحكومات وتجييش الشارع وتحريضه على دولته وتعظيم مثالب الدولة وتسهيل عملية الوصول الى السلطة.
الديمقراطية الحديثة تقوم على التوافق والحوار المؤدي الى تفاهمات وطنية, قد يستغرق تنفيذ بعضها مرحلة زمنية تمليها طبيعة الاوضاع السائدة في الوطن.
والوصول الى السلطة والحكومة في النظام الديمقراطي يقوم على الوعي الوطني اولاً وعلى التنظيم السياسي الذي يَنْظمُ دور المجتمع ويؤسس لبناء رأي عام متعدد قادر على التأثير في الحياة السياسية وتوجيهها نحو التداول السلمي عبر صناديق الاقتراع.
لا شيء يربك السياسة والديمقراطية مثل خلطها بالدين, يقول ابن المقفع, الدين تسليم بالايمان والرأي تسليم بالاختلاف فمن جعل الدين رأياً عرضة للاختلاف ومن جعل الرأي ديناً قدّسة, والسياسة رأي واختلاف وحوار واجتهاد وتعدد في وجهات النظر يصعب تداولها من باب القداسة, لأنها فن الضروري والممكن في ظرف ما, والضروري والممكن في ظرف ما قد لا يكون هو الضروري والممكن في ظرف آخر.
نزهة الاستحواذ على السلطة لا تخدم التغيير والاصلاح ولا تحقق الديمقراطية لانها تثير المخاوف وقد ادت الى انقسام حاد في الرأي في الشارع المصري في انتخابات الرئاسة الامر الذي اتضح من خلال صناديق الاقتراع التي عبرت عن هذه المخاوف، فالاستحواذ على الحكم قد يلبس خوذة عسكرية، او عمامة ولكنه في النهاية يصادر حق الآخرين في المشاركة، والتداول السلمي للسلطة.
وتقليد الساحات الاخرى، او الرهان على ما يجري فيها لا يدفع باتجاه التوازن السياسي والتوافق الوطني، وانما الى تحقيق الغلبة بالخوف مما يحدث في دول الجوار.
وعندما يطالب حزب سياسي، بوضع يميزه عن غيره من القوى السياسية والعسكرية ويمكنه من السيطرة على الحكم على حساب القوى الاخرى كما فعل حزب الله في لبنان، عندها لا بد من السؤال: هل يطرح هذا الحزب نفسه كبديل ام شريك في السلطة، لا شيء يفسد الديمقراطية والدولة مثل تجاهل مبدأ اعطاء الجميع سواء كانوا افرادا او احزابا فرصا متساوية، والاخلال بهذا المبدأ يؤدي الى الاستحواذ والاستبداد.
هناك عناوين مطروحة للاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهناك رؤى سياسية متعددة بشأنها، اذا استعصى الحوار الجاد بشأنها تصبح هذه العناوين مولداً للانقسام في الوطن ومانعة لايجاد ارضية وفاق وطني سياسي يتحقق من خلالها الاصلاح.
هناك قضايا ملحة معاشة، واصلاحات ضرورية تحتاج الى حلول معاصرة وفكر الدولة ومنطلقاتها قطعا قد يختلف مع فكر الجماعة السياسية او الدينية ومنطلقاتها ولا سبيل غير الحوار لتقريب المسافات الفكر الذي يستعصي على الحوار، سواء كان فكر دولة او جماعة، فكر يقف على حد الخصام، وهو موقف لا يخدم احد في دولتنا ومجتمعنا ويخالف الاعتدال الذي ميّز مجتمعنا.
استعصاء الحوار نفي لثقافة الديمقراطية, والشورى حوار وشرعة في الاسلام, ونفي الحوار نفي للشورى واستبعاد للرأي المخالف ونفي للديمقراطية.
لا نكتب من موقف معادي للحركة الاسلامية فهي طيف مهم في وطننا، ولكن من موقف فكري ناقد لبعض المواقف التي عقدت الموقف السياسي في بلدنا لان استعصاء الحوار باب مغلق والحياة السياسية لا تتقدم الا بالابواب المشرعة، على الحوار وتداول الرأي وتدوير الزوايا السياسية، حتى يتحقق الافضل والضروري والممكن، لبلدنا وشعبنا والله من وراء القصد.