د. رضوان مسّنات - قد تكون الموسيقى من اقدم النشاطات الانسانية وكذلك الاغنية ولكنها بالتأكيد كانت تأخذ شكلاً مختلفاً عما نعرفه اليوم، وهناك دراسات عديدة ابتدأت في معظمها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حول بدايات الموسيقى ومن ثم الاغنية، وفي رأي داروين ان بدايات الموسيقى كانت عبارة عن اصوات اطلقها الانسان الاول.
يطلق بعض الباحثين اسم الموسيقى الابتدائية او موسيقى قبل التأريخ على كل موسيقى تسبق الدراسات المحكمة في هذا المجال، فمثلاً اعتبرت موسيقى سكان اميركا الاصليين بدائية!.
لقد اختلفت نظرة الانسان المعاصر للأغنية والموسيقى فلم تعد مجرد مادة سمعية بصرية تحرك مشاعر بدائية، بل هي رؤية جديدة للواقع وولوج به فهي اذن تجربة انسانية تتم من خلال ادراك عميق للنغم والكلمة!!.
ان علم الموسيقى الحيوية الحديث يرى ان للموسيقى والاغنية تأثيراً مهماً جداً في العقل الانساني,.
للموسيقى والاغنية انماط متعددة: الكلاسيكية، والفلكولورية، الراب، الراي.. الخ وكلها تعبر عن حاجة انسانية او هي «انفعال» يعتمل في النفس، ونحصر الاهتمام هنا بتلك الاغنية التي تحتج! حيث يرفع الانسان صوته رافضاً ومحتجاً، على واقع شيء او انه يدعو للسلام ووقف الحروب وكذلك المساواة بين البشر..الخ.
تستند اغاني الاحتجاج في احيان كثيرة على الحان فلكلورية معروفة نصائح عليها اشعار عامية في الغالب للتعبير عن الرفض والاحتجاج وفي الاردن عرفنا هذا النوع من سنوات طويلة، فمثلاً اهزوجة «يا سامي باشا ما نطيع .. ولا نعد رجالك».. هي من هذا القبيل.. فهي احتجاج على الحكم العثماني.
وفي العالم العربي الامثلة كثيرة جدا على هذا النوع، «احمد فؤاد نجم والشيخ امام عدلي فخري وسمير عبدالباقي» مع العلم أن المذكورين احمد وسمير وضعا الكلمات ولحنها كل من الشيخ امام وعدلي فخري».
هناك اغنيات احتجاج كتبت بالفصحى فمثلا الكثير من اغنيات مارسيل خليفة بالعربية الفصحى «بين ريتا وعيوني بندقية» كما اننا نستطيع ان نصنف بعض اغنيات لمطربين مشهورين كاغنيات احتجاج او رفض « حسب المفهوم الواسع لهذه الاغاني».
فأغنية عبدالوهاب «اخي جاوز الظالمون المدى» واغنية فيروز «القدس» تندرج ضمن هذا النمط.وكما في العالم العربي كذلك في انحاء العالم، فقد وظفت الموسيقى الكلاسيكية في هذا المجال ففي السيمفونية التاسعة لبيتهوفن اعتمد على القطعة الشعرية Ode To Joy للشاعر شيللر، وهذه اصبحت هي النشيد الرسمي للمجلس الاوروبي سنة 1972 Council Of Europe وحتى اغنيات الحب وظفت ايضا كاغاني احتجاج ولكن هذا قليل على ما يلاحظ في العربية.
عالم الاجتماع R. Serge DenisaFF كتب عن اغنية الاحتجاج، ان مجالها ضيق، وهي مباشرة واغلب نصوصها لا تتميز بالبلاغة اللغوية لكنها فقط جذابة ومؤثرة، وقد ارجع اصولها الى اغاني الاحتجاج البروتستتنية.
الباحثان Andrew Jamison & Roy Eyermann في كتابهما عن الموسيقى والحركات الاحتجاجية قالا ان Deniso FF لم يف اغنية الاحتجاج حقها سواء من حيث تاريخها ودورها وكذلك في نظرته للحن وكلمات تلك الاغاني، صحيح ان بعضها ضعيف من هذه الناحية لكنها اجمالا جيدة ومعقولة وتقوم بالدور المطلوب.ويمضي هذان الباحثان ان امام هذه الاغنية الكثير لتقدمه وانها قد تتجاوز احيانا حركات الاحتجاج على الرغم من ان هذه الحركات بقياداتها عامل مهم في تطوير هذه الاغنية حين تأخذ مدى اوسع وتأثيرا اكثر.
 وصف مارتن لوثر كنج هذه الاغاني بقوله انها تدعم الحراك الشعبي كما انها عامل مهم في وحدة الجماهير.
ومن الجدير بالذكر ان اغاني الاحتجاج لعبت دوراً هاماً في الربيع العربي.ففي تونس برز الشاب «حمادة بن عامور» الملقب بالجنرال عندما كتب اغنية «بلدك ايها الرئيس» كلماتها وعنوانها باللهجة العامية التونسية، وقد اصبحت هذه الاغنية شعاراً بين الجماهير المحتجة..
وفي مصر برز «احمد فؤاد نجم» شاعر الاحتجاج القديم ولكن الذي غنى كلماته هذه المرة بعد رحيل رفيقه الشيخ امام هو الشاب «رامي عصام» فقد غنى «الحمار والمهر». كما سجل «امير وعادل عبد» اغنية صوت الحرية.وعودة للاردن، وفي منتصف الخمسينات من القرن الماضي ابدع «العرندس» كلمات بسيطة وجميلة على لحن معروف احتجاجاً على تزوير الانتخابات النيابية ضد مرشح الجبهة الوطنية من عمان المناضل المرحوم الدكتور عبدالرحمن شقير.
هذا وقد اعتبرت اغنيات «الراي» في الجزائر اغنيات احتجاج ويعود تاريخ هذه الاغاني الى بداية ثلاثينات القرن الماضي في منطقة Oran وقد ابتدأت بين الرعاة البدو وتجمع الحانها بين عربية، وافريقية واسبانية وفرنسية، وهذه الاغنيات كانت ممنوعة من الجزائر حتى ثمانينات القرن الماضي.
في انحاء العالم المختلفة هناك اغنيات احتجاج طالما هناك ظلم للانسان ومن الممكن تسمية الكثير من مغني الاحتجاج في كل بلد.