عمان – سارة القضاة - بعد غيابه عن الساحة الموسيقية الأردنية لعامين متواصلين، عاد المؤلف الموسيقي عازف البيانو زيد ديراني ليقدم أمسيته الموسيقية «حلم اردني» بثوب جديد يختلف تماما عما اعتدناه منه.
ديراني الذي عودنا على الموسيقى الكلاسيكية الحالمة، خرج إلينا مساء أول من امس على مسرح مدرسة الأكاديمية الدولية بحلة شبابية وتوليفة شرقية، تضم عددا من العازفين الأردنيين الشباب الذين لهم بصمة حقيقة في الموسيقى الأردنية.
وقدم ديراني موسيقى مفعمة بالطاقة، ولعل هذه الطاقة كانت اكبر من حجم المسرح، فلم يكن المسرح قادرا على حمل موسيقاه كما يجب، كما عانى ديراني وألاوركسترا في الاستهلال الموسيقي في مطلع الأمسية من مشكلة بالصوت أثرت قليلا على بداية الأمسية.
واستهل ديراني والأوركسترا الأمسية بمقطوعة هيا، فقدمها بتوزيع موسيقي جديد، طغت فيه الوتريات وبيانو ديراني على المشهد قبل ان يدخل الإيقاع مفعما بالحماس، وينضم اليهم عود طارق الجندي وناي نور أبو حلتم الذي كان لنايه بصمة واضحة في المقطوعة وفي الأمسية كلها.
ومن أعماله الجديدة قدم ديراني «أنا وياسمين»، مقطوعة موسيقية شرقيه، تمازجت في روحها وشرقيتها مع أعمال الموسيقار عمر خيرت.
وفي مقطوعة «تانغو» تباغتنا الجمل الموسيقية القصيرة وتدب فينا الإيقاعات اللاتينية نبضا يحفزنا.. أما وقفات عود طارق الجندي فشكلت تناغما مميزا، فها هو البيانو الغربي والكمانات تراقص العود بشرقيته الخالصة، وتداعبهم إيقاعات ناصر سلامة الراقصة.
وتواصلت الأمسية بالمقطوعات السريعة ذات الإيقاع القوي، والتي شارك فيها «دي جي Avidbold»، وهنا نتوقف قليلا لنرى هذه الحلة الجديدة التي دخل بها ديراني، فالموسيقى إيقاعها شرقي وسريع ويبتعد عن تلك الموسيقى الحالمة، وانضمام «الدي جي» إلى الأمسية اضفى عليها طابعا شبابيا وراقصا، ولعل ديراني لم يكن موفقا في خياره الأخير.
فلو اقتصرت الأمسية على تلك الإيقاعات الشرقية العذبة، والتوزيع الموسيقي السريع والمميز، لظل ديراني محافظا على هويته مجددا عليها. إلا ان التغيير سمة الحياة، فاذا كان هذا التغيير الذي اختاره ديراني لعله يوظفه بطريقة تبني على ما قدم سابقا لا ان تلغيها.
في ذهني.. انقسمت الأمسية إلى قسمين، في قسمها الأول رأينا ديراني بحلته الشبابية واختتم هذا القسم بمقطوعة جديدة حملت اسم الأمسية «حلم اردني»، أما النصف الثاني من الأمسية فكان أشبه بديراني الذي عرفناه، كان اكثر دفئا وحنينا.
ومن ألبومه الجديد، عزف ديراني صولو بيانو بعنوان «أسئلة لله»، مقطوعة تشبه ديراني وتمتد من هويته الموسيقية، يذهب فيها إلى أجواء اقرب إلى المناجاة والتصوف، وتتمازج الجمل الموسيقية القصيرة مع تلك الطويلة بصورة مبهرة.
ويواصل ديراني على ذات النسق.. فيخطف أنفاسنا بمقطوعة Start Child، ويعزفها بكثير من الحنين وبفيض من المشاعر التي تكاد تخنقنا، وكأن كل نغمة تخرج من تحت أصابعه لتطير عاليا في السماء، كنجمة متأرجحة، يرجع لنا صدى تأرجحها: موسيقى ملائكية!
هنا بدأت الأمسية.. وبدأ ديراني يبهرنا! ولأننا اعتدنا ان يبهرنا ديراني بموسيقاه منذ النغمة الأولى في حفلاته السابقة.. كان كل شيء مختلف مساء أول من امس، فالأجواء الموسيقية الجديدة تطلبت وقتا حتى يألفها الحضور، فانقسم الجمهور بين مستغرب لجديده مشتاقا لقديمة، وبين متحمس لهذه الحلة الجديدة.. ولان المكان الذي أقيمت على الأمسية لم يكن مبهرا تماما، فقد اخذ ذلك من أجواء الأمسية.
فالمسرح الصغير لم يكن قادرا على احتمال صخب الموسيقى وقوتها، ولم يكن بمكوناته المصطنعة قادرا على رسم الحالة بصورة صحيحة.. فالجمهور الذي اعتاد على ديراني بأمسيات في مسارح تحمل روحا وعبقا تاريخيا وأجواء متصلة بالطبيعة، لم تكتمل لديه الحالة في هذا المسرح الصغير.
إلا ان كل هذا لم ينتقص من جمال الموسيقى التي قدمها ديراني في النصف الثاني الأمسية، فها نحن نراه يرتجل الموسيقى على البيانو ويحاور عود طارق الجندي، فكان حوارا ثنائيا اجمل ما يكون، استعرض خلاله الجندي تقنياته المميزة في العزف على العود.. ليعلن كما في كل مرة يعزف فيها عن هوية خاصة به في العزف والابتكار على عوده، وينبئنا بأن الأردن سيحتضن بعد اقل من عشر سنوات اهم عازف عود عربي.
الأمسية كانت تسير في نهايتها على الطريق الصحيح، فمن وحي قصيدة نزار قباني «قارئة الفنجان» عزف ديراني مقطوعته «العرافة»، مقطوعة موسيقية شعرية، ونبضها العالي وإحساسها الحقيقي يصل إلى المتلقي دون عناء.
كما عزف ديراني مقطوعة «عمان» التي كان فيها انفرادا لكماني يعرب سميرات ومحمد طهبوب، فبدا الحوار وكأنه مشهد أوبرالي، فيه مغنيان، هما الكمانان، يناجيان بعضهما تارة، ويستعرضان مهارتهما تارة أخرى، في جمل موسيقي متتابعة تناور بين الالتو والسوبرانو، مشهد جميل ينضم اليه إيقاع ناصر سلامة وعلي دباغ، إضافة إلى بيانو ديراني، ليصبح مشهدا موسيقيا مكتملا.
واختتم ديراني الأمسية بمقطوعة «زينة»، التي استهلها عبد الحليم الخطيب بانفراد على القانون، قبل ان تدخل الإيقاعات والوتريات والبيانو بحماس لتنتهي فيه الأمسية.
وكان شارك مع ديراني عدد من اهم العازفين الأردنيين الشباب وأكثرهم إبداعا، فعلى العود طارق الجندي، والقانون عبد الحليم الخطيب، وابدع نور أبو حلتم على نايه، ومنذر جابر على باص جيتار، وخالد بلعاوي على التشيللو، فيما قاد الكمانات كل من محمود عفيفي وعبيدة ماضي ومحمد طهبوب ويعرب سميرات، ولم تكن الأمسية لتكتمل دون إيقاعات ناصر سلامة وعلي الدباع وعلي فني على الدرامز، إضافة إلى «دي جي Avidbold».
يذكر ان أمسيات زيد والأوركسترا «حلم اردني» تتواصل حتى الرابع من الشهر الجاري في الثامنة والنصف مساء على مسرح مدرسة الأكاديمية.