أمينة منصور الحطاب
Ameeneh@live.com

نعيش عالماً يشهد تغيرات متعددة وسريعة في عصر تكنولوجيا المعلومات ، حيث يتعرض الفرد إلى كم هائل من المعلومات المتناقضة ، لذا أصبح تعليم التفكير الناقد أمراً بالغ الأهمية ؛ وذلك للتمييز بين ما هو صحيح وبين ما هو مجرد ادعاءات لا أساس لها من الصحة ، وعلى الرغم من أهمية وضرورة تعليم التفكير إلا أنه ليس أمراً سهلاً ، فالمؤسسات التعليمية يجب أن تتبنى سياسة موحدة تشجع على التفكير والاستقصاء ، والمدارس بحاجة إلى المعلم المفكر الذي يسأل الأسئلة الصحيحة التي تحث الطلبة على الاستنتاج والتحليل وتقديم الأدلة والبراهين التي تدعم الفرضيات ، كذلك نحن بحاجة إلى كتب مدرسية تنمي مهارات التفكير ولا تركز على حفظ واسترجاع كم هائل من المعلومات ، ومن ثم لا بد لنا من مناخ مدرسي يسمح بتعددية الآراء وبيئة صفية متسامحة تشجع الحوار والنقاش .
إن الهدف الأساسي من تعليم وتعلم التفكير الناقد هو تحسين مهارات التفكير لدى الطلبة التي تمكنهم من النجاح في مختلف جوانب حياتهم , كما أن تشجيع روح التساؤل والبحث والاستفهام وعدم التسليم بالحقائق دون التحري أو الاستكشاف يؤدي إلى توسيع آفاق الطلبة المعرفية ، ويدفعهم نحو الانطلاق إلى مجالات علمية أوسع ، مما يعمل على إثراء أبنيتهم المعرفية وزيادة التعلم النوعي لديهم .
التفكير الناقد هو تفكير تأملي ،استدلالي ،تقييمي، ذاتي ، يتضمن مجموعة من الاستراتيجيات والعمليات المعرفية المتداخلة كالتفسير والتحليل والتقييم والاستنتاج ؛بهدف تفحص الآراء والمعتقدات والأدلة والبراهين ، والمفاهيم، والادعاءات التي يتم الاستناد إليها عند إصدار حكم ما أو حل مشكلة ما أو صنع قرار، مع الأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر الآخرين .
وللمعلم دور  مهم  ومتميز  في تعليم التفكير الناقد ،وتحفيز الطلبة على النشاط والتفكير المبدع الخلاّق بدلاً من الجمود والركود، وذلك من خلال وضع الطالب في مواقف تعليمية - تعلمية محيرة تثير التفكير وتؤدي إلى زيادة قدرته على التخيل والتفسير والتحليل واتخاذ القرار، وفيما يلي بعض المؤشرات العامة للمعلم التي تسهم في تطوير التفكير الناقد لدى الطلبة في جميع الأعمار :
1- اختيارالأدوات والتجارب الحقيقية المتوافرة بالكتب حيثما أمكن ذلك ،فعلى سبيل المثال عند دراسة موضوع التجمعات المائية فإن زيارة تلك التجمعات المائية قد تكون مناسبة أكثر من القراءة عنها في الكتب المدرسية أو مشاهدة فيلم يتحدث عنها.
2- ترك المجال لمشاركة الطلبة في تقويم النشاطات الصفية والمهمات التي يكلفون بها من قبل المعلم.
3- عرض أعمال الطلبة على لوحة أو مكان العرض البارز لجميع الطلبة.
4- تقديم التشجيع المناسب المتواصل للطلبة للبحث عن بدائل للنشاطات الفنية المجسمة مع تقديم ما يلزم من المواد للتعلم أو إنجاز مشروع معين.
 ولعل من مظاهر تطوير مناخ مناسب لتعليم التفكير الناقد في الغرفة الصفية العمل على زيادة الرغبة والدافعية لدى الطلبة، إضافة إلى ربط التعلم باحتياجاتهم اليومية.
وفيما يلي أنواع الأسئلة التي تستخدم في تقييم السلوك الناقد في الغرفة الصفية:
1- أسئلة الإيضاح مثل : هل تستطيع إعطائي مثالاً ؟ هل رأيك الأساسي هو ... ؟
2- الأسئلة التي تحتمل اقتراحاً مثل: كيف تبرر قولك إن هذا الشيء مؤكد ؟ أنت تبدو وكأنك تقترح ....
3- أسئلة حول وجهات النظر مثل: كيف ينظر الناس إلى هذه القضية ؟ ولماذا ؟ ما الذي يؤثر على رأيهم ؟
4- أسئلة تحتمل أسبابا وإثباتات مثل : كيف تستطيع أن تؤكد صحة هذا الإدعاء ؟ هل ثمة سبب يدعوك للشك بصحة الإثبات المقدم ؟
5- أسئلة تحتمل المضاعفات مثل: ما الأثر الذي يتركه... ؟ إذا كانت القضية...  فقد تكون الحقيقة ....
6- أسئلة حول الأسئلة مثل: للإجابة عن هذا السؤال ما هي الأسئلة التي يجب أن نجيب عنها أولاً ؟ هل القضية تشبه ... ؟
    هذه الأسئلة قد تكون مسؤولية المعلم في بداية السنة أو بداية التدريب على تقييم السلوك الناقد في الغرفة    الصفية، لكن يتوقع من الطلبة مع استمرار التشجيع والتدريب والمران من قبل المدرس أن تنتقل المسؤولية في طرح مثل هذه الأسئلة إليهم؛ وبالتالي يتحقق مبدأ انتقال أثر التعلم.
من الصعوبات التي يمكن أن تواجه المعلم عند تطبيق وتعليم مهارات التفكير الناقد في العملية التعليمية-التعلمية:
1- قلة توافر برامج معدة خصيصاً لتعليم التفكير الناقد بمهاراته الخاصة على شكل دروس مشروحة بدقة وموضحة بأمثلة وتمارين؛ لُتكسب ممارسها المهارة التي يتدرب عليها.
2- قلة توافر دليل لاستخدام البرامج يرشد المعلم إلى كيفية شرح مهارات التفكير الناقد، وكذلك إرشادات توضح دور كل من المعلم والطالب في عملية تعليم وتعلم مهارات التفكير الناقد.
3- قلة توافراختبارات ومقاييس موثوقة لقياس مهارات التفكير الناقد للمجتمعات المتباينة؛ إذ أن معظم الاختبارات ومقاييس مهارات التفكير الناقد مستوردة وغير مناسبة لكثير من البيئات، وبالتالي فإن عملية تقنينها لبيئات أخرى جديدة تحتاج إلى مهارة وجهد وتكاليف.
4- غياب التأهيل العلمي والتربوي لمعلم مهارات التفكير الناقد، وبالتالي فإن قدراته على تعليم وتعلم مهارات التفكير الناقد ستكون موضع شك، فالمطلوب من معلم مهارات التفكير الناقد قدرة عميقة متخصصة في الجانب الأكاديمي، إضافة إلى البعد التربوي للمعلم الذي يمكنه من تبني استراتيجيات تعليمية – تعلمية تتناسب وحاجات المتعلمين.
5-  يقال وراء كل سلوك دافع؛فغياب الدافعية لدى المعلم والمتعلم ستدفع إلى الملل، لذا لا بد من أن تتوافر لدى المعلم والطالب الدافعية الداخلية التي تدفعهما للالتزام بالأعمال التي ينبغي عليهما تنفيذها لتعليم التفكير،وأن يكون المعلم متمتعاً بروح نقدية فطرية من خلال حبه الشديد لقراءة مابين السطور،منطلقاً للمعرفة العلمية، فيقوده ذلك النوع من التفكير إلى النظر إلى البدائل والاحتمالات المختلفة والبحث عن جميع الآراء المتعلقة بالموضوع قيد الدراسة والعمل على تقصي سلامة المعلومات وفي الوقت نفسه يقوّم الأداء وفق معيار ما.
6- عدم توافر بيئة صفية مناسبة لتحقيق مخرجات تعليمية مرغوبة من حيث مدى توافر مصادر المعلومات وأدوات الإعلام الحديثة مثل شبكة الانترنت والمجلات العلمية المتخصصة والصحف وغيرها من الوسائل التي تعمل على تنمية التفكير بشكل عام والتفكير الناقد بشكل خاص.
7- قلة اهتمام الإدارة المدرسية بتنمية تعليم التفكير الناقد من خلال إحجامها عن توفير التسهيلات والمصادر والأدوات التي تسهل وتيسر تعليم وتعلم مهارات التفكير الناقد بعيداً عن أجواء الخوف والتصنّع في تواصلها مع الطلبة.
8- إيمان المجتمع بقيم الحرية والديمقراطية، واحترام الدستور، وقبول الاختلاف في الرأي والتعددية السياسية، والمشاركة في تحمل المسؤولية، وتحمّل التبعية، والانقياد الأعلى للسلطة يمثّل مقومات أساسية لتعليم مهارات التفكير الناقد، وعدم توافر هذه المقومات سينعكس سلباً على تعليم وتعلّم مهارات التفكير الناقد لدى الطلبة.
9- تلعب الأسرة دوراً مهماً في تنمية مهارات التفكير الناقد لدى أبنائها ، فمن المؤكد أن تنمية مهارات التفكير بشكل عام والتفكير الناقد بشكل خاص، والعمل على تدريب الأبناء على تقبّل وجهات نظر الآخرين المتباينة حول الموضوعات المطروحة يسهم بلا شك في تنمية هذه المهارات، كما أن مستوى التسامح الذي يبديه الآباء تجاه الأبناء في طرح آرائهم وأفكارهم يعد من المتغيرات الأساسية التي تُسهم في تقدير الطلبة لدور الأسرة في تنمية وتطوير مهارات التفكير الناقد لديهم.