عبدالهادي راجي المجالي

كان لدينا درس في الصف الثاني الابتدائي اسمه (الطاووس المغرور) وأتذكر أن المعلمة صفعتني لأني كنت أقرأ كلمة طاووس..(طابوس) في حياتي لم اشاهد (طاووسا) وحين كانت ترسم لنا المعلمة صورة الطاووس كنا نسأل ببراءة..هل يشبه  الدجاج ؟..فكانت تخبرنا بأنه أكبر من الدجاج...
وذات مرة تجرأت وسألت المعلمة :- بنطبخ...فقالت لي :- (انطم واسكت) كان لابد من الحصول على أسئلة حول هذا الكائن فنحن نعرف الحمام والدجاج والديوك ولا يوجد في قواميسنا القروية شيئا عن الطاووس.
كان الدرس يؤكد على غرور الطاووس وأنه كان مزهوا بريشه وأنا كانت تخطر في بالي اسئلة طفولية عن هذا الكائن..من شاكلة اذا قمنا بمطاردة الطاووس بالحجارة تماما كما نفعل مع الدجاج فهل سيهرب..واذا قمنا مثلا بحشره في الخم فهل سيقوم (بالمكاكاة).
وذات يوم وبعد انتهاء المدرسة..أخبرت أبي أني قرأت درس الطاووس كاملا ولم أخطيء بأية كلمة وأن المعلمة قالت لي :- (شاطر ممتاز عفارم عليك) والحقيقة غير ذلك فقد كنت ألفظ الطاووس..طابوس..أعطاني ابي وقتها (شلن)..وقال لي:- (عفية)، ثم أكملت حديثي وقلت لأبي أن المعلمة طلبت منا احضار طاووس...( وبدك أتدبرني بطاووس)...نظر الي أبي وقتها باستغراب وسألني :- ( المعلمة قالت الك هيك)..فأقسمت  على ذلك ثم أخذ مني الشلن وطردني.
أتذكر أني  أزعجت أبي كثيرا..وكذبت كثيرا حول الطاووس، كنت كل مرة أخبره بأمر مختلف أن المديرة هي التي طلبت منا إحضار طاووس وأن الأمر مهم ويجب أن اقوم بذلك..وذات يوم وهروبا من إلحاحي قال لي أبي :- (أجيبلك جاجة يا بوي)...فرفضت بإلحاح...مضت (3) اشهر من عمري في الصف الثالث وما مر يوم الا وأنا ألح على أبي.... فيما بعد أدركت أن الطاووس طائر نادر في بلادنا وأني أطلب المستحيلات وتوقفت عن الالحاح ورضيت برؤية الطاووس في الصور.
ذات يوم كنت عائدا من هوشة في الحارة المجاورة..وقد تعرضت فيها لوابل من (الشلاليت) وعدت خائفا من أمي..أن ترى أثار الأتربة على هندامي ولكنها وجدتني عند الباب وصرخت بي :-( وينك بندور عليك النا ساعتين)....ثم أكملت :- (ابوك جابلك طاووس هيو في الحوش روح شوفو)...ظننت أن القصة مجرد مزح أو حنان أم..أو أنها سخرية بريئة تمارسها العائلة..لطلباتي الغريبة.
ومع ذلك خرجت (للحوش) للفناء الخلفي..ووجدت (طاووسا) حقيقيا صدقوني أني اسرد لكم القصة بتفاصيلها كان ابي يقف بجانبه ونظر ألي بابتسامة عريضة وقال لي :- (هي جبنالك الطاووس)..وأنا لشدة فرحتي قلت له :- (الطاووس المغرور)...وركضت صوبه كان كبيرا وله ريش طويل وملون..وقفت حائرا مصدوما أمام الطاووس الذي كان مجرد خيال أو حلم تقرأه في الكتب.
كل أطفال الحارة جاءوا لرؤية الطاووس وكان أهم حدث في حياتي.
لا أعرف كيف أحضر أبي الطاووس ولكن يبدو أنه طاف الأردن كله وأوصى مجموعة من الأصدقاء ويقال ان أحدهم أحضره إليه بعد معاناة.
كلما عدت للطفولة أتذكر قصة الطاووس وللآن أحاول أن أجد جوابا لسؤالي من اين أحضر أبي الطاووس ولا أعرف ؟
وأتذكر أني خلال (3) اشهر من الإلحاح والنكد والبكاء استطعت أن الزم أبي باحضار طاووس....
بالنسبة لما يحدث في الأردن من مسيرات واعتصامات..فأنا لي مطلب واحد وأوحد..لا أريد أن ادخل في أي اعتصام أو احتجاج قبل أن افرد مطلبي أمام الحكومة..وهو :- ( بدي طاووس)..لا أريد علاوة ولا تحسين راتب ولا أريد ثالث عشر...أريد طاووسا فقط.