العقبة - رياض القطامين- قالت مديرة آثار العقبة الدكتورة سوسن الفاخري إن الحفريات الأثرية التي أجريت مؤخرا في العقبة كشفت أن المدينة كانت منطقة اقتصادية قبل أكثر من 6 آلاف سنة مشيرة إلى وجود علاقات تجارية وصناعية وزراعية قوية جدا بين العقبة وقارات العالم القديم .
وأضافت الفاخري في حديث ل  الرأي  إن الحفريات أظهرت توفر عناصر الحياة في المنطقة الاقتصادية بدءا بالعنصر التجاري والزراعي والاجتماعي والصناعي والديني وهي مماثلة لما يتوفر اليوم من عناصر في منطقة العقبة الاقتصادية.
وقالت إن فريقا من الجامعة الأردنية، برئاسة عميد معهد الآثار في الجامعة الأردنية الدكتور لطفي خليل، ، والمعهد الألماني للآثار بالتعاون مع دائرة الآثار العامة قام بالتنقيب في موقعي تل المقص وحجيرة الغزلان داخل حدود منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ، وكشفت نتائج الحفريات على الصعيد الصناعي عن وجود مخلفات تدل على انه تم في الموقع عمليات تصنيع خامات النحاس ، حيث عثر على بقايا الخامات والكتل المعدنية والبوتقات التي كانت تصهر فيها مادة النحاس والقوالب الفخارية التي كان يتم صب معدن النحاس فيها . كما وتم الكشف عن قطع صدفية خلال مراحل التصنيع.
وعلى الصعيد التجاري أوضحت الفاخري أن الدراسات المقارنة لموقعي تل المقص وحجيرة الغزلان  أكدت وجود علاقات تجارية في هذه الفترة الزمنية القديمة بين العقبة و مواقع أثرية في الدلتا المصرية في عصر ما قبل الأسر الفرعونية مما يدل بشكل قاطع على أن العقبة كانت مدينة مزدهرة تجاريا واقتصاديا منذ ستة آلاف سنة قبل الميلاد .
ومن الناحية الزراعية فقد تم الكشف إلى الجنوب من الموقع عن جدران حجرية أو ما يشبه السد المائي إلى جانب قنوات مائية استخدمت كأنظمة الري استخدمت في الزراعة ، وبعد تحليل البذور المكتشفة وجد أنها لنباتات القمح والشعير والعنب والعرعر. وقالت أن الحفريات الأثرية أكدت أن لهذا المجتمع المتطور ثقافة اجتماعية ودينية وقد تمثلت بالكشف عن رسوم تجريدية على الجدران الطينية والمتمثلة بأشكال الوعول والغزلان وأشكال آدمية يعتقد أنها كانت جزء من مبنى له علاقة بالنواحي العقائدية لسكان الموقع في العصر الحجري النحاسي . وأضافت أن العقبة استمرت بالازدهار في العصر الحديدي الثاني وتمثل ذلك بموقع تل الخليفة ويرجع بتاريخة إلى القرن9-8 قبل الميلاد، وقد كشفت المخلفات الأثرية عن وجود حضارة آدومية على درجة عالية من التقدم كانت بمثابة عصر النهضة ، حيث وجد أن علاقات السكان الخارجية تمثلت في بعض السلع المنتجة في الخارج ، ومنها الفخار المصري ، وقلائد ذهبية وفضية صورت على شكل الحيوان المصري (بيس)وهو ألاه مصري قديم ، و عثر على مسامير وأجزاء من حبال مصنوعة من نسيج النخيل تدل على استخدامها في صناعة قوارب الصيد، إضافة إلى مجموعة من السنانير، ما يؤكد متانة العلاقة الاقتصادية التي كانت قائمة آنذاك بين العقبة ومصر ، ومثل ذلك كان هناك علاقات تجارية مع العراق ، حيث تم الكشف عن جرار فخارية ذات طراز أشوري. وفي العهد اليوناني أطلق على مدينة العقبة اسم  إيلانا  ، ودخلت منطقة جنوب الأردن في الصراع بين البطالمة والسلوقيين ، ووقعت ايلانا  بيد البطالمة الذين اتخذوا منها ميناء لنقل تجارة فلسطين إلى موانئ البحر الأحمر وافريقية ، كما كان يستقبل السفن القادمة من افريقية والمحيط الهندي، وبذلك فقد أدرك الأنباط ، أهمية هذا النشاط التجاري للمدينة وان هناك خطرا يتهددهم ، محاولين مهاجمة سفن البطالمة ونهب حمولاتهم ، مما دفع بطليموس (285-246ق.م) لإقامة قوة بحرية لحراسة سفن البطالمة ، وبذلك ازدهرت المدينة في هذه الفترة اقتصاديا حتى قال عنها المؤرخ  ايراثوسثنس (275-194ق.م) مدينة  ايلانا أي العقبة أهم مدن بلاد العرب التجارية. وفي العهد الروماني فقد اكتسبت العقبة والتي عرفت ب  آيلة  أهمية اقتصادية بعد احتلال الإمبراطور الروماني تراجان (98-127م) البتراء عاصمة الأنباط وانشأ طريقا مهما من آيلة مارا بالبتراء إلى بصرى دمشق ، بحيث تمر من خلالها القوافل القادمة من اليمن والحجاز إلى بصرى الشام، وقد تم الكشف عن معالم ومباني لأثار هذه المدينة الرومانية في العقبة من خلال التنقيبات التي قام بها فريق من جامعة نورث كارولينا الامريكية ودائرة الآثار الأردنية، حيث تم الكشف عن مخلفات أثرية كعملات وأواني فخارية تدل على علاقات تجارية ونقل بضائع من والى قارات العالم القديم ومدينة ايلانا أو آيلة وكلها أسماء للعقبة بفترات مختلفة . وفي العصر البيزنطي فقد استقرت المسيحية في آيلة منذ عهد مبكر حيث اعتنق الديانة المسيحية معظم السكان واشترك أساقفتها في النشاط الكنسي، كما أن ميناء آيلة كان فرصة حافلة تقصدها السفن القادمة من اليمن والهند والصين وتأتيها من البر قوافل الشام، وقد كشفت الحفريات الأثرية التي قام بها فريق من جامعة نورث كارولينا الامريكية بالتعاون مع دائرة الآثار عن معالم هذه المدينة البيزنطية ومن أشهر ما تم الكشف عنه كنيسة من الطين ترجع إلى أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلادي ، ويعتقد أنها أقدم الكنائس في العالم.
وفي العصر الإسلامي برز اسم آيلة منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ،وذلك بحكم موقعها كبوابة لبلاد الشام، ففي أعقاب غزوة تبوك (السنة التاسعة للهجرة) عقد الرسول صلحا مع يحنا بن رؤبة صاحب آيلة آنذاك ،ومن يقرأ كتاب الصلح يستشف منه بان أهل آيلة كانوا يعملون بالتجارة البرية والبحرية ، كما أنهم يعملون بصيد السمك.ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك تماما أن السيطرة على آيلة تعني السيطرة على أهم طرق التجارة البرية المؤدية إلى آيلة من اليمن وجنوب بلاد الشام، ومن المعروف أن العام التاسع للهجرة هو عام الوفود الذي يشير إلى خضوع الجزيرة للرسول(ص). وقالت لقد حظيت آيلة - العقبة - خلال فترة الفتوحات الإسلامية على بلاد الشام بأهمية خاصة ، فقد كانت محطة للفاتحين، ونزلها الكثير من موالي الخليفة عثمان بن عفان ، حيث كشفت الحفريات الأثرية التي قام بها فريق من جامعة شيكاغو بالتعاون مع دائرة الآثار عن بقايا مدينة آيلة الإسلامية ،والتي وصفها الجغرافي شمس الدين المقدسي ب ... آيلة على شعبة بحر الصين عامرة جليلة ذات نخيل واسماك ، فرضة فلسطين وخزانة الحجاز... ، وقد أنشئت هذه المدينة إثر الفتوحات الإسلامية في زمن الخليفة عثمان بن عفان ،و تميز مخططها بجمعه بين أساليب التخطيط البيزنطي للجدران والأبراج والشوارع المنتظمة ،وعدم الانتظام الذي نلحظ في المدن التي تتميز بخاصية التطور التلقائي.
وأظهرت الدراسات والحفريات مدى العلاقات التجارية بين آيلة- العقبة - وبين قارة العالم في هذه الحقبة، فقد كشفت المخلفات الفخارية عن علاقات تجارية مع الصين ، فقد كانت هذه التجارة تعتمد أساسا على التوابل والحرير، إضافة إلى ما تم الكشف عنه من أدوات فخارية صينية ذات تقنية عالية مصنوعة من السيلادون والبورسلان، وتؤرخ إلى القرنين العاشر والحادي عشر (سلالة سانج)،وعثر على ما يشابه هذه الأواني في مواقع اخرى في الشرق الاوسط كسيراف والفسطاط . كذلك عثر على جرار صنعت في سامراء والبصرى لنقل الدبس إلى آيلة. وأضافت لقد تم الكشف عن أفران في آيلة (القرن السابع) تخصصت في إنتاج نوع من الجرار المخروطية سميت بجرار آيلة لنقل مواد معينة من آيلة عبر السفن ،فقد كانت تنقل الفواكه والمكسرات من سوريا إلى الجزيرة العربية ،ومن ثم إلى عدن واثيوبيا، وقد عثر على جرار آيلة في عدن واثيوبيا ومصر ما يدل على الأهمية التجارية لمدن البحر الأحمر ومن بينها العقبة . وتم الكشف عن العديد من الأوزان النحاسية ذات الأحجام المختلفة ،وذات الأشكال المستطيلة والمخروطية والمتعددة الأسطح، وذلك لاستخدام كل حجم في توزين مادة معينة.وخاصة في وزن الدراهم الفضية والدنانير الذهبية فقد وجد أن الدرهم كان يساوي91ر2غم، بينما الدينار الذهبي يساوي 19ر4 غم الأمر الذي يؤكد على الأهمية المالية للعقبة ويشير إلى وجود عدد من العملات .
وأوضحت أن من أهم المكتشفات في آيلة هو الكشف عن السوق أو منطقة التخزين أو ما يعرف اليوم في العقبة ب (المنطقة اللوجستية) وهو إشارة واضحة لأهمية المدينة الاقتصادية حيث كشف عام 1993-1994 عن البرج المقابل للبحر والشاطئ مباشرة، ووجد أن هذا البرج بالأصل هو برج نصف دائري ، أعيد بناؤه في العصر العباسي ليصبح ذو شكل مربع تم تقسيمة من الداخل إلى مربعات متساوية من الطين لاستخدامها للتخزين ويدعم هذا الرأي هو اكتشاف برج بجوار البرج الأول وعثر في كل من البرجين على جرار ضخمة مثبتة في الأرض كانت تستخدم للتخزين، وبعد أن تم استكمال الحفر خارج هذه الأبراج وعلى الشاطئ مباشرة عثر على دكاكين صغيرة على طول الشاطئ الموازي لسور المدينة البحري والقريب من مينائها والذي تغمره مياه البحر حاليا وبقي السوق مستخدما حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي. ولا تزال المواقع الأثرية في العقبة تنتظر معاول الاثارين للكشف عن معالم آثارية جديدة تلقي مزيدا من الضوء على أهمية العقبة عبر العصور على مختلف الأصعدة الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والدينية.