د. عميش يوسف عميش

أردت أن أعقب على المقال الجيد للأخ الدكتور سهيل صويص-الرأي (30/9/2005) بعنوان «هل الأردن بحاجة فعلية لثلاث كليات طب جديدة». سنحاول أولا معرفة واقع كليات الطب عندنا (الأردنية والعلوم والتكنولوجيا) وتخريج أول دفعة من (مؤتة) العام القادم. فعدد خريجي الأردنية 127 منهم (21) من الدول الشقيقة، والعلوم 190، منهم (56) من الدول الشقيقة=(350). أما مؤتة فسيتخرج منها 23 طبيبا، أما الخريجون من جامعات روسيا الشرقية وباكستان ودول أخرى فيتراوح عددهم بين (400-500) سنويا. أما عدد الأطباء الإجمالي الذين يتم تسجيلهم في نقابة الأطباء حسب الإحصاءات الرسمية فيتراوح بين 400-500 كل عام. وحسب كمبيوتر نقابة الأطباء الأردنية فإن عدد الأطباء المسجلين هو (500ر17) طبيب، منهم (000ر13) ممارسين في الأردن، و(650) متقاعدين، أما الباقي فيعملون في الخارج. السؤال أين يذهب أطباؤنا الخريجون ؟ لقد أعلن وزير الصحة أن عشرين مركزا طبيا بحاجة إلى كوادر ويجد صعوبة في تغطيتهم (راجع مقال الأستاذ الدكتور فهد الفانك). بالإضافة إلى صعوبة تشغيل مستشفى الأمير حمزة لكن سيبدأ بتشغيل جزئي. المؤكد أن معظم الخريجين يرفضون وظائف خارج العاصمة عمان، كما أنهم يأملون برواتب أعلى. ومن هنا بدأت هجرة أطبائنا مرة ثانية إلى دول الخليج بعد أن توقفت لفترة طويلة بعد تجارب غير موفقة مع أطباء من دول أخرى وكان الأردن البلد الأول والأهم بتزويد دول الخليج بالكوادر الطبية والمهن الطبية المساندة. أريد هنا أن أقارن وضعنا بالنسبة لكليات الطب بالولايات المتحدة الأميركية. فلقد نشرت مجلة (جاما JAMA) المجلة الرسمية للجمعية الطبية الأميركية في عددها (تشرين أول 2005) إحصاءات دقيقة ومذهلة عن تعليم الطب وكليات الطب في أميركا أريد أن ألخصها بما يلي: عدد كليات الطب في الولايات المتحدة الأميركية (124) كليـة. وإذا حسبنا عدد سكان الولايات المتحدة المتوقع عام 2006 (000ر300ر300) فتصبح النسبة/كلية طب واحدة/لكل 000ر420ر2. أما عدد الأطباء المتوقع تخرجهم من هذه الكليات الـ(124) في عام 2006 بعد دراسة دقيقة وموثقة فهو حوالي 000ر16 طبيب فقط. أما العدد المتوقع للخريجين من حملة (Ph.D and MA/MS) فهو 404ر24. كما أوردت مجلة جاما أرقاما تتعلق بالإمكانات الهائلة والكوادر الجيدة التي تقوم على أسسها الدراسة في كليات الطب في أميركا. أما إنعكاس هذه المعلومات علينا فهو شيء واحد أي أنه إذا زاد عدد كليات الطب دون تخطيط مسبق وجيد ودون وجود إمكانات وكوادر ممتازة فالمؤكد تدني مستوى التعليم بالإضافة إلى زيادة البطالة بين أطبائنا والهجرة لدول الخليج. وزير الصحة أعانه الله اضطر إلى توظيف أطباء من الخارج خاصة من العراق لسد النقص الحاصل لدينا. إن إيجاد الحوافز الكافية لجذب أطبائنا هو الحل. إن التصريح بالسماح لإقامة كليات طب جديدة، وقد بدئ فعلا بإنشاء كلية الطب الرابعة حيث رصدت الجامعة الهاشمية مبلغ 10 ملايين دينار للبنية التحتية للبدء بالتدريس عام 2007 أمر فيه خطورة، والخامسة التي أعلـن عنهـا ستكون من خلال وزارة الصحة وبالتعاون مع القطاع الخاص في مستشفى الأمير حمزة هو أيضا مشروع يجب التروي في أمره. ولا أدري فيقال أنه ستكون هناك كلية طب سادسة في جامعة العلوم التطبيقية. لكن حتى لو سمح بإنشاء كلية طب سادسة فتبقى هناك تساؤلات لا بد من الإجابة عليها : ما هي الفلسفة والرؤيا التي تقوم عليها فكرة إنشاء أي كلية طب، إنها ليست فقط بنايات وغرف ومعدات، إنها أسس التخطيط وحاجات الأردن المستقبلية والمستوى التقني والكوادر الطبية المتينة التي يجب توافرها قبل البناء . ومن هنا نتساءل : 1- أين المستشفيات المؤهلة والكافية لتدريس الطب والتي لا بد أن تكون جاهزة على مستوى العناية الطبية الثالثية (Tertiary Medicine) ، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي من أماكن تواجد كليات الطب والجامعات الأم التي ستقوم بتدريس العلوم الأساسية للطب. 2- أين الكوادر المؤهلة واللازمة للتدريس، فالمتعارف عليه أن نسبة عدد كادر التدريس للتدريب الطبي لعدد طلاب الطب في الجامعات ذات المستوى الرفيع لا بد أن تصل إلى (15:1). كما نحتاج إلى نسبة (1/4) للتدريب السريري. 3- كيف سيكون أسلوب قبول الطلاب في كليات الطب الجديدة ؟ هل يكون بنسبة نجاح أقل في الثانوية العامة مقابل تطبيق النظام الموازي، علما بأن قيمة الساعات المعتمدة للنظام المقرر حسب أعلى نسبة نجاح مقبولة هو 70 دينارا للساعة بينما في النظام الموازي هو 150 دينارا أي أنها ستكون مؤسسات ربحية، ومن هذه الثغرة يستطيع بعض الطلاب خاصة من الدول العربية الشقيقة الدخول لكليات الطب الأردنية. زد على ذلك مقاعد المنح الدراسية المختلفة. 4- ليس أمام كليات الطب الجديدة خيار إلا استخدام مستشفيات/وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية القريبة منها، كما هو حاصل الآن، مع ملاحظة إزدحام هذه المستشفيات بالمرضى. لكن لماذا لا نستخدم المستشفيات الخاصة. 5- وللحصول على كادر من المدرسين لكليات الطب وأعني أساتذة وأساتذة مساعدين ومدرسين، لا بد من أن تتعاقد هذه الكليات مع كليتي الطب في الجامعتين العريقتين الأردنية والعلوم والتكنولوجيا لإستعارة كوادر، بالإضافة إلى كوادر من وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية لإنتـدابهم جزئيا، أو السماح لهم بالإنتقال إليها مقابل تقديم حوافز، وهذا سيؤثر حتما على مستوى الجامعتين المذكورتين وكلا من وزارة الصحة والخدمات الطبية. 6- أما الحقيقة التي لا تقبل النقاش فهي أن كوادر التدريس تحتاج إلى العدد من الإختصاصات الفرعية المعتمدة من الخارج، وعليه فإننا لو بدأنا بإرسال مدرسين للخارج (حسبما وعدت بعض الجامعات) لكي يتموا دراستهم التخصصية ويعودوا إلى هذه الكليات للتدريس وذلك بسبب نقص الكوادر لدينا، فإن هذه التخصصات تحتاج إلى 5-6 سنوات كحد أدنى ليؤهلهم للتدريس الأكاديمي (النظري والسريري). بإعتقادي لسنا بحاجة إلى أكثر من ثلاث كليات جيدة للطب، حتى ولو إلتحق بجامعاتنا طلاب من البلدان العربية الشقيقة (علما أن هذه البلدان لديها العدد الكافي من كليات الطب) بالإضافة لذلك ستقام 4 كليات في الإمارات و 3 في قطر). كما أننا لا بد أن نعمل على عدم زيادة عدد الطلاب للمحافظة على المستوى العلمي والتدريبي. أما كيف ندفع الخريجين من أطبائنا البقاء في الأردن فهناك أولا تقديم الحوافز المادية والثاني إيجاد مستشفيات حديثة من حيث التقنية وعدد وأنواع الكوادر التمريضية والفنية، والثالث فتح المجال للأطباء لإجراء البحوث والدراسات العليا. إنني أتمنى إعادة النظر في قرارات فتح كليات طب جديدة ودراسة ذلك وضمن خطة وطنية. كما أرجو الإستعانة بأطباء القطاع الخاص الذين يشكلون القدرات الهائلة في الإمكانات العلمية والتجارب الممتازة في التعليم والتدريب، فهم خلاصة سنوات الخبرة الطويلة في مستشفيات وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والجامعة الأردنية. E-mail: oumeishdermatol@hotmail.com