عمان - ناجح حسن - يعد ظهور فيلم ''مخيم الغجر يصعد الى السماء'' العام 1975، لمخرجه الشاعر الروسي اميل لوتيانو بمثابة احتفاء نادر وغير مسبوق للسينما بشريحة اجتماعية مهمشة كالغجر، طالما جرى تغييبها عن الشاشة البيضاء، أو تناولتها بشكل سطحي ومزيف في الافلام القليلة القادمة من ارجاء العالم، التي تصدت لموضوع الغجر الا ما ندر.
أطلق فيلم ''مخيم الغجر يصعد الى السماء، الذي سيعرض في السادسة والنصف مساء غد الثلاثاء في مؤسسة شومان، ''الشرارة التي اشعلت قدرات مخرجين شباب ومخضرمين على الاشتباك مع قضايا ومواضيع وقصص، تحاكي واقع الغجر وتطرح الوانا من امالهم ومعاناتهم ،بحيث قدم ذلك في مجموعة من الافلام السينمائية حققها مخرجون عالميون: كارلوس ساورا في اسبانيا وامير كوستاريكا وزملائه في يوغسلافيا السابقة، وسواهم كثير في السينما المجرية والبولندية والالمانية والفرنسية.
تتكىء احداث فيلم '' مخيم الغجر يصعد الى السماء ''، على ذلك الفهم الدقيق والاحساس العالي لمخرجه الراحل اميل لوتيانو، ليس بوصفه شاعرا فحسب بل لدقة اختياره لواحدة من قصص الاديب الروسي الشهير ماكسم جوركي، التي عانقت واحدة من طقوس الغجر في الحب والحياة وتشبثهم بقيم الحرية ابان فترة عصيبة تعود الى نهايات القرن قبل الماضي.
يسرد الفيلم قصة الغجري الشاب ''زوبار'' سارق الجياد من اسطبلات قوات الامبراطور الروسي، الذين يسيئون بشكل دائم الى الغجر الدائمي الترحال والتنقل، وذات مرة يجد زوبار نفسه مصابا بعد مطاردة رجال السلطة في واحدة من تجمعات الغجر، وهناك يلقى معالجة وفق الطريقة المتبعة في العلاج الغجري، ثم يجد نفسه امام الغجرية رادا التي تظل عالقة في ذهنه بعد رحيله عن جماعتها ويمتلكه قرار معاودة اللقاء بها.
بيد ان الفرصة لا تلبث ان تاتي، ولكنها محملة بالكثير من المفاجاءات نظرا لحالة الكبرياء والتحدي التي تتمتع بها شخصية رادا وهي التي طالما واجهت الكثير من المواقف المتشابهة لدياصناف من الرجال، ليفجر الفيلم احداثه بتلك الخاتمة الماساوية بحسب تقاليد الحب والموت والحياة.
خلف هذه الاحداث الشديدة التكثيف،يكشف الفيلم عن براعة صانعه في تقديم رؤية جمالية وفكرية تنبض بالشغف في الحياة والابداع وهي تنقل اجواء القصة الى الشاشة بفطنة وذكاء تحتشد بالوان من مفردات اللغة البصرية والاعتناء الدقيق بالاغنيات والاستعراضات المصاحبة لجماعات الغجر داخل بيئة من الطبيعة الاخاذة، التي تنهل من تضاريس السهول والوديان وحركات الجياد وفي لحظات الصدام والتلاقي والانفصال معاني ودلالات عميقة مسكونة بالتعاطف الانساني تفييض بحرارة التواصل، وتفاعل مع احداثه قطاعات واسعة من عشاق الفن السابع في اكثر من ثقافة وحضارة .
بفضل فيلمه '' مخيم الغجر يصعد الى السماء '' وضع لوتيانو بصمته الخاصة على خريطة الفن السابع قبل رحيله منذ عامين،حيث استطاع ان ينبش عوالم شاسعة من فلسفة الحياة وتفاصيلها اليومية لدى جماعات الغجر على نقيض السينما التي ظلت طوال مسيرتها التي تزيد عن قرن من الزمان، عاجزة عن مناقشة الكثير من الاحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية،لشريحة الغجر التي تعيش على هامش المكان والزمان، في تحرر من ضوابط وقيود وقوانين تحكم ركائز المجتمع القاطنين فيه، وبالتالي أخذ الفيلم موقعه الى جوار تلك القامات الرفيعة في السينما، التي نجحت في تسليط الضوء على واقع وأنماط لسلوكيات، كاشفة في الوقت ذاته عن طموحات وامال وعذابات انسانية، دون ان تغفل عناصر المتعة والبهجة والفرادة الامر الذي قادها ان تمكث طويلا في ذاكرة كلاسيكيات السينما العالمية.
يجيء فيلم ''مخيم الغجر يصعد الى السماء '' الى جوار مجموعة من الافلام التي انجزت برؤى واساليب متباينة مثل : '' قابلت غجرا سعداء '' ، و '' قط اسود وقط ابيض'' لامير كوستاريكا، و ''من يغني هناك '' و '' كارمن '' و '' سحر الحب '' و '' المنافي '' و '' ملكة الغجر '' و '' زمن الغجر '' كواحد من المع الافلام، التي عبرت بحذق وحرفية سينمائية، المستمدة من تيارات السينما الجديدة، رغم التباين في اساليب مخرجيها وجسدت جميعها وقائع من حياة الغجر داخل تحولات جذرية في محيطهم الانساني، وابرزت حالات من العاطفة والوجدان والسلوكيات لافراد هذه الشريحة الانسانية، داخل منظومة من التقاليد والعادات التي تحكم الغجر في بيئتهم ونظرة الاخر القاصرة لهم.
صورت تلك الاعمال مجتمعة، معيشة الغجر على اطراف من المدن كمهمشين منبوذين، لكنهم في فضاءات الطبيعة كانوا يمارسون حياتهم بكل اندفاع وتهور وبارعين في امتطاء الجياد والاستحواذ على ما يلزم من قوتهم اليومي برفقة من الموسيقى والاغنيات العذبة، في حياد تام عن مظاهر البؤس والفقر والبساطة أو في امتلاك وسائل الرفاهية البسيطة في الحياة، وكل ذلك يجري في اشكال من الدراما المشوقة والحافلة بالمفاجاءات والاحداث الغرائبية، بحيث غدت تلك الافلام من افضل انجازات الواقعية التعبيرية والسحرية .
لا يغفل صناع تلك الافلام عن محاكاة مواضيع ساخنة يعيشها العالم من خلال حراك مجموعات الغجر وافرادهم، وتاثير ذلك على القيم الانسانية والجمالية للعمل السينمائي وما تتمتع به من الوان الدعابة السوداء والمواقف الطريفة، التي تصل الى درجة الجنون لكنها ظلت امينة على فضح الكثير من ممارسات الواقع وفساده، وتؤشر عليه في تناول رائع لثقافة الغجر وهي تعرض وتطرح ادق التفاصيل فيما يحيط ببيئتهم من احداث عصيبة وتحولات عميقة.