كتابة وتصوير مفلح العدوان - قرية «عن بكرة أبيها» تقف انتظارا للقادمين.. هناك،حول الدوار الساكن في منتصفها ، اجتمع أهلها مترقبين مجيء حملة رسالة الرب..وكانوا فرحين.
بهذه الهيئة دخلت «السماكية» صباح جمعة مهيبة،وما كان مثل بقية الأيام،فالأعلام مرفوعة،والرجال والنساء ومعهم الأطفال متجمعون في نقطة واحدة من القرية،بينما فرقة الكشافة تعزف ألحان البهجة التي يتداخل فيها إيقاع الحماس الوطني،مع دفء الطقس الديني،في استقبال غير عادي لثلاثة كهان تجاوزوا قبل ليلة حفلة الرسامة الكهنوتية،وها هم يأتون الآن ليمارسوا أول طقس ديني لهم،هو القداس الأول الذي فيه يكون التتويج لكل تلك المسيرة الطويلة من التهيئة الروحية،لكي يكون التمازج الكلي للذات مع تجليات الكهنوت..
وكانوا كأنهم القادمون إلى يوم عرسهم،يرددون في سرهم «المجد للرب في الأعالي»،فيردد الكل معهم، «وعلى الأرض السلام»..
وكنت أرددها أيضا،وكان هذا أول الحضور إلى «السماكية»، القرية التي هي بقدر ما تشعر زائرها بالأمان،بقدر ما تضفي عليه غلالة القداسة من مهابة الطقس الذي يعيد كل مريد لها إلى الأيام الأولى للحظة التعارف مع الدين،ولحظة الدخول في المكان كمعبد،وكتطهير للروح، وكصرح للتأمل..
إنها العودة البكر إلى الترتيلة الفاتحة للقرية..
وفيها تذكار لأول صليب علق فيها،أيام كانت مضارب، وكانت الصلوات تؤدى في الخيام،وكان اسمها يدل على عمق عروبي،ووسمها يشير إلى تجل ديني!!

وادي المعرجة

السماكية..من تتبع تداعيات الاسم هناك مؤشرات تدلل على أنه ورد لدى الجزيري،عندما مر في المنطقة مع قافلة الحج المصري متجها إلى الحجاز،وذكر بأن هذه الأطراف يسكنها نفر من بني سماك،وهم بطن من لخم القحطانية،وقد أخذت الاسم منهم،فهي بذلك تكون السماكية نسبة إلى بني سماك.
وهناك تفسيرات شعبية أخرى للاسم ،اختلفت فيها الآراء، إذ أن البعض يحيل السبب إلى الطبيعة الجغرافية لموقع القرية،حيث أن طبوغرافيتها تشبه شكل السمكة بانحدار حيز منها.وهناك رأي ثان يقول بأنه كان هناك عين ماء قريبة منها هي «عين المعرجه» وكانت هذه العين تعطي سمكا يصطاده المجاورون لها،فسمي الوادي باسمها، «وادي المعرجة»، ثم «وادي السمك»، وسميت القرية بعد فترة باسم «السماكية».
ويلظم تلك الأسباب جميعها رئيس بلدية السماكية السابق«شاهر بشارة الحجازين» أبو بشار، حيث يقول إن «المعنى في اللغة العربية هو السماك ويدل على العلو،وهذا احد احتمالات معنى الاسم،ولكننا إذا تتبعنا على الواقع (المخطط التنظيمي) للسماكية فسوف نلاحظ أنه على شكل سمكة،حتى نهاية الوادي من الجهة الشرقية حيث وادي السماكية،وقد كان القدماء من أهل القرية «يحضرون السمك من المعرجة،وهو وادي شرق «السماكية» من بداية وادي الموجب،وكانوا يبيعونه..».

نقود الملك الصالح

عمقها يدل على تاريخ يعود آلاف السنوات في عمق الزمان..
تلك هي السماكية التي يقول عنها نايف النوايسه في كتابه«السجل المصور للواجهات المعمارية التراثية في الأردن/الكرك»، إنها «قرية حديثة فوق مواقع قديمة تعود لعهود الأنباط والرومان،ومن آثارها خربة مدينة عاليا،أو المعرجة،وتشرف على وادي المعرجة،وعثر فيها على قلعة مؤابية مستطيلة بأبعاد غير منتظمة ووجد فيها منزل من النمط الذي يشبه منازل منطقة مجدو. وفي السماكية العديد من الكهوف القديمة،والمقابر النبطية،ومعصرة زيتون تعود للعصر البيزنطي،وعدد من النقود التي سكت زمن الملك الصالح .. أخ صلاح الدين.».

حرب الحمايل

تشير ذاكرة المنطقة التي تقع فيها القرية إلى أن العشيرتين اللتين قطنتا السماكية وهما (الحجازين، والعكشة) أقامتا في القرية بعد الاتفاق مع بعض عشائر الكرك،لا سيما المجالي وذلك عبر حلف دفاعي يساهم فيه كل من الحجازين والعكشة في حماية الحدود الشرقية لهضبة مؤاب من غزوات البدو الرحل.
وعن هذه التفاصيل،وتداعيات أخرى حول بداية الاستقرار في السماكية،يذكر كتاب «الكهنة المؤسسون»، الذي يحمل رقم «37» من منشورات «المعهد الإكليريكي» أنه (في سنة 1901،عندما كان الأب «أنطون عبد ربه» نائب كاهن الرعية في الكرك،ومسؤولا بشكل خاص عن المؤمنين البدو في الرعية،قام بتقسيم أراضي خربة السماكية عليهم.أعطيت هذه الخربة البيزنطية،الواقعة في الشمال الشرقي من الكرك،للحجازين والعكشة بعد حرب الحمايل التي فيها أصبح المسيحيون حلفاء المجالي المنتصرين.كانوا يرعون قطعانهم في تلك المنطقة ويفلحون الأرض،كما كانت تلك الخربة ذات قيمة كبيرة بسبب الآبار العديدة،والمغر المتواجدة فيها).

سجلات المعمودية

إن التواجد السكاني على هذه الأرض وفلاحة تلك المنطقة كانا أقدم من البنيان والتعمير ،ولعله من الأحرى بنا أن نعود عميقا نحو سنوات سابقة،ثم نبني عليها سيرة الإنسان في السماكية إلى أن نصل هذه المرحلة وما بعدها،حيث يشير تاريخ المكان إلى أنه مع بداية التشكل والاستقرار الحديث في السماكية كان يوجد فيها طائفة مسيحية واحدة هي طائفة اللاتين،ويعود تاريخها إلى عام 1876،وهو تاريخ بداية الحديث عن البطريركية اللاتينية،حيث تم تأسيس رعية الكرك،وأولها السماكية وقد كانوا هناك في بيوت الشعر ويشير تاريخ تجمعهم التقريبي هناك إلى عام 1870 تقريبا،وهم من الحجازين والعكشة،ويعيدنا إلى التاريخ الأقدم من ذلك الأستاذ «شاهر حجازين» بقوله أنهم «جاءوا من الحجاز من جهة وادي الريان،ثم سكنوا البتراء،ووادي موسى،وبعدها نزحوا إلى الكرك،وما زالت لهم مقاسمهم في مدينة الكرك،ثم انتقلوا عربانا في سفح شيحان،وبالأخص في منطقة السماكية،وخربتها هذه مبنية على آثار بيزنطية وهي ممكن تكون صارت لاحقا آثارا أموية تابعة لقصور بشير والعال».
ويؤكد الأب رفعت بدر أن سجلات المعمودية أقدم من دير اللاتين الذي تأسس في السماكية عام 1876 حيث أنه يرد في تلك السجلات الرسمية الموجودة في كنيسة اللاتين /السماكية في الصفحة الثانية أنه «بتاريخ 7/9/1884 جرى تعميد جريس ابن عودة وصبحا الذي ولد قبل شهرين من العماد،وقد عمده الكاهن الإيطالي السكندر مكانيو ،كاهن رعية الكرك،ومكان العماد هو السماكية في بيوت الشعر،والأشابين هما ناصر وكاترين من السلط».

الاستقرار

يتحدث أهل السماكية عن بداية استقرارهم فيها،بعد زراعتهم إياها بقولهم أنه«جاهم مطران القدس عام 1909 ،ورفض يشرب القهوة،وطلب منهم يتجمعوا في خربة السماكية اللي راح يشتريها من الشيخ قدر المجالي ب«70 مجيدي» وتجمعوا في السماكية ،الحجازين والعكشة، وبالفعل شرب هناك القهوة،واشتراها بعد بيوم من الشيخ قدر، وبعدين بدو أهل السماكية يبنوا هناك...».
غير أن تفصيل تلك البداية يوردها كتاب «الكهنة المؤسسون» بأنه«كانت رغبة الأب أنطون عبد ربه أن يرى مؤمنيه مستقرين فيها دون تأخير(ويقصد السماكية)،وكان المجالي يعارضون ذلك،إذ أنهم كانوا معتادين على نصب خيامهم في فصل الشتاء على منحدر السماكية،فخشوا إن بنيت القرية،أن يضايق ذلك نصب خيامهم.ولم يتم الاتفاق إلا سنة 1909،لدى زيارة «المنسينيور بيكاردو» الرعوية لشرق الأردن،وبخاصة لتلك الناحية.وبفضل تدخل بعض شخصيات الكرك،والمال،حصل على الترخيص المطلوب من قبل الشيخ قدر المجالي.وبتشجيع قوي من الأب منصور جلاد،وكان في تلك الفترة نائب كاهن رعية الكرك،دفع مسيحيي السماكية في الشروع في العمار حالا في تشرين الثاني سنة 1909،كانت بيوتا بسيطة،لكنها أبرزت نهضة السماكية».

طائفة ثانية

أقام الحجازين والعكشة في السماكية بعد هذا القرار الذي جمعهم في قرية بعد أن كانوا عربانا في العراء،وكانوا عشيرتين تنضويان تحت مظلة طائفة واحدة،إلا أن دخول طائفة ثانية إلى السماكية لم يحدث إلا بعد ست وعشرين سنة من تاريخ تجمعهم في السماكية،ويروي كتاب الكنيسة الكاثوليكية في الأردن،نشر سنة زيارة البابا بولس الثاني إلى الأردن عام 2000،وفيه إشارة إلى رعية الروم الكاثوليك في السماكية حيث يورد أنه«في العشرينات(من القرن العشرين)،كانت تقطن السماكية عشيرتان مسيحيتان:الحجازين،والعكشة،بفروعهما،وكانتا تنتميان لطائفة اللاتين.في سنة 1934 نشب خلاف شخصي بين العشيرتين فتوجهت عشيرة العكشة بفروعها إلى طائفة الروم الأرثوذكس في حمود(قرية محاذية للسماكية)،فلم تجد ترحيبا،وخصوصا من عشيرة الهلسه،فتوجه عمدة عشيرة العكشة بطلب إلى غبطة البطريرك «كيرلس التاسع مغبغب» بواسطة الأب أنطون يارد،خادم رعية الروم الكاثوليك في الكرك يطلب الانضمام لطائفة الروم الكاثوليك.فلبى غبطته النداء ووكل إلى الأبوين بولس أشقر وأنطون يارد،رعاية شؤونهم الروحية.وأخذ الكاهنان يتنقلان على ظهور الخيل من أدر إلى السماكية ،ومن الكرك إلى السماكية.فجعلا من بيوت عشيرة العكشة مكانا للصلاة وإقامة الذبيحة الإلهية،وخصوصا بيت السيد سليم نصراوين والسيد خليل زيادين إلى أن وجدا أرضا بجانب كنيسة اللاتين،التي تبرع بها الخرسان وهم من الحجازين إلى صهرهم السيد سليم نصراوين،وبدوره قدمها للوقف وبنى عليها كنيسة وسكنا للكاهن وذلك سنة 1935.خدم رعية السماكية آباء غيورون أفاضل وهم:بولس أشقر،أنطون يارد،بولس صويلح،حنا متى،يوسف بيطار،الياس فاخوري،سامي قندح،وبولس بقاعين».



سيرة قرية




تقع السماكية شمال شرق مدينة الكرك على مسافة22كم من مركز المحافظة،وهي تتبع إداريا إلى بلدية شيحان،في لواء القصر من محافظة الكرك.

الديموغرافيا:

يبلغ عدد سكان السماكية 1550نسمة(807 ذكور و734 إناثا) يشكلون 302 أسرة تقطن 352 مسكنا.
تسكن في السماكية عشيرتا الحجازين والعكشة،حيث يتبع كل الحجازين إلى كنيسة اللاتين،بينما ينتمي جزء كبير من العكشة كنيسة الروم الكاثوليك.
يعمل أهل القرية في الوظائف الحكومية والجيش والزراعة وتربية المواشي.

التربية والتعليم:

توجد في القرية مدرستان هما : مدرسة دير اللاتين المختلطة/السماكية،ومدرسة السماكية الشاملة للبنات. والطلاب الذين بصدد إكمال دراستهم يتوجهون إلى مدارس قريتي (الحمود أو الوسية) القريبتين من السماكية.

الصحة:

يوجد في السماكية مركز صحي شامل.

المجتمع المدني:

يوجد في القرية جمعية السماكية التعاونية،وفرقة السماكية للفنون ولكنها غير فاعلة في الفترة الأخيرة،وفرقة كشافة تابعة لكنيسة اللاتين.

@ يوجد في القرية كنيستان هما كنيسة اللاتين وكنيسة الروم الكاثوليك.


كتابة تفاعلية



الحمراء..مرة أخرى

بتوقيع أبوينال،وهو أحد أبناء الحمراء التي كتبناها قبل أسابيع في بوح القرى،في رسالته ،يعقب على ما كتبناه، مشيرا إلى أن حي الدرزي في القرية سمي بذلك نسبة لوقوع معركة بين بني خالد والدروز في ذلك المكان،إضافة إلى أنه يبين أن خزان الماء على تلال المعقود بني بعد رحيل سلاح الجو الأردني بمبادرة من سلطة مياه المفرق،وهو الخزان الباقي حتى الآن،أما الخزان الأول فقد نقل من الموقع وقد كان مصنوعا من الحديد.
ويكتب أبو ينال، في رسالته، أنه يقال بأن الرئيس العراقي عبد السلام عارف كان قد زار القرية في فترة تواجد الجيش العراقي في الحمراء،وقد نزل آنذاك في مدرسة الحمراء التي كان يقيم فيها قائد الجيش العراقي في تلك الفترة.
ويضيف معلومات أخرى على ما كتبناه عن القرية في أن المقبرة كان اسمها «أم احبله»،وتاريخ وصول الكهرباء إلى القرية كان في عام 1983.