عبد الحليم أبو دقر - كانت الخطة التي وضعتُها لمواجهة الساحر سهلة، لكنها تحتاج إلى ضفدع. لم يكن أمراً صعباً أن تحصل على ضفدع في مدرستنا، إذا لم يقفز أمامك وأنت تتجول في الساحة، تدخل إلى الحديقة، فتجده بين الأعشاب الخضراء الندية في ظلال الأشجار الحرجية الضخمة، أو بجانب البرك التي تجمعت من ماء المطر.
كنت أقول: أقرب مكان للعثور على ضفدع في مثل هذا الوقت هو عند الحاجز الإسمنتي الواطئ الفاصل ما بين الساحة والحديقة. أكاد أصرخ: أين أنتِ يا ضفادعي الجميلة؟ لن تختفي اليوم، قولي إنك لن تختفي.
 رأيت ضفدعاً ينظر حوله حائراً لا يدري بأي اتجاه يسير: أدعو الله أن أوفَّق في الإمساك بك أيها الضفدع.
 جلستُ على الحاجز الإسمنتي أراقبه، كان ضفدعاً سميناً لم أر مثله من قبل في المدرسة. سمحتُ لسعد بالجلوس بجانبي بعد أن أبدى ندمه على بكائه أمام الآنسة منى، وظل يردد: لم أصدق أنني لن أرى الساحر.
سألت نفسي: كم مضى من الوقت على وقوعي وارتطام جبيني بهذا الحاجز؟!
فردوس قالت لي: فكر في شيء آخر غير الشيء الذي تريد الإمساك به، بعد وقت قليل تجده بجانبك، يقول لك: أمسكني فتمسكه. هذه هي الطريقة التي عليك اتباعها.
الآنسة منى هي من أطلق اسم «حاجز البخاخ» على هذا الحاجز، ما إن يقع الطالب ويرتطم رأسه بحافته الإسمنتية، وينفر الدم من جبينه، يُلفّ رأسه بكمية مهولة من الشاش الأبيض الذي تظهر في مقدمته بقعة دم حمراء تظل تتمدد فتطوف حوله المدرسات والمديرة بوجوه جديدة طيبة لم يكن قد رآها من قبل، يحتار ممن يأخذ العصير، وممن يأكل السندويش، وأين يخبئ الشوكولاته والملبس والبسكويت. وحدها الآنسة منى تظل مرتبكة: «فكر معي، ما سنقول لأمك؟ حتى لا تفقد وعيها، حتى لا تسقط على الأرض أول ما تراك.. حتى لا تولول علينا.. جرح صغير، لا تنظري لكل هذا الشاش، أراد الطبيب.. فكّر معي يا مصباح، لا تتركني وحدي». وأفكر معها. تدور حولي، تقترح جملاً، تعود وتقترح غيرها.
 أول ما رأيت الإبرة الهلالية الكبيرة بيد الطبيب، والخيط السميك الأسود المتدلي منها، انهرت في البكاء، وبكت معي الآنسة منى. طلب منها الطبيب أن لا تنظر في الدم حتى لا تدوخ.. كان يحرك بخاخاً فضياً أمام أعيننا، يقول: «هذا البخاخ سحري، بخة واحدة منه، تعِدّ بعدها: واحد، اثنان، ثلاثة، ولن تحس بأي ألم».
عادت الطمأنينة إلى الآنسة منى، أشرق وجهها، بلعت ريقها، قالت للطبيب: سأعدّ معك.
كل ما قاله الطبيب كان صدقاً، واحد اثنان ثلاثة، وبحركة خاطفة أمسكت بالضفدع. كل ما قالته فردوس كان صحيحاً، فقد نجحت طريقتها. وبدأ العرض السحري، والمديرة واقفة بجانب جدار الإدارة، جدار طويل عريض مصبوغ بالأخضر الفاتح، بجانبها مكنسة الآذنة أم تحسين. والآذنة أم تحسين امرأة سمينة، حركتها بطيئة، سمعها ثقيل، تجيد احتساب النقود، لا يزعجها كثيراً صراخ المديرة المتواصل عليها ولا يعطلها عن أي أمر تكون فيه.
 كانت المديرة تلقي نظرات سريعة على الطلاب، ويعود نظرها ويستقر على الساحر. ابتساماتها التي لم نكن قد رأيناها من قبل، ظهرت قبل قليل، ليست لنا وإنما للساحر، حتى أكفها السمراء السمينة التي لم تصفق لأحد، صفقت لمن؟! للساحر.
خدعتني أم تحسين الآذنة، ما كانت حركاتها تنبى بما سيكون وراءها، جاءت ورأسها في الأرض سارحة، تمشي متمهلة، فظننت أن قدومها من أجل استعادة المكنسة قبل أن تنتبه إليها المديرة وتعاقبها على إهمالها، لكنها همست ببضع كلمات في أذن المديرة، وغادرت المكان، وتركت المكنسة في مكانها، وعينا المديرة مصوبتان عليّ.
 كان الساحر شاباً نحيلاً دائم الارتجاف، يعاني من قصر النظر، ومن سعال عميق جاف متواصل. يقوم بحركات كثيرة دون هدف واضح من ورائها، وسيخرج متزوجاً من المديرة. ظل من وقت لآخر ينظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه المديرة، وينقبض وجهه كلما اصطدم بمكنسة أم تحسين. كنت أسأل نفسي: «من أين عثر على هذه الثياب غريبة الشكل؟ ألن يكون الواحد ساحراً إلا بها؟ ألها قوة سحرية؟». أسألُ فردوس، فتسأل أمها، آخذ منها الجواب أول ما أرجع إلى البيت.
 كنت أقول لسعد: «أهذا هو الساحر الذي كنت تبكي من أجله، تخشى أن لا تراه؟! انظر ماذا سأفعل به». كان الساحر ينادي بصوت مبحوح: «واحد إلى هنا، واحد إلي، واحد طالب، أي طالب..».
تقدمت منه، عندما صرت بجانبه استدرت باتجاه الطلاب، أشهرت الضفدع، فازداد نبضه. كنت أمسكه من ساقيه، صرخت: «هذا الضفدع مسحور، كان أميراً». هززته، حرّكته حركة دائرية. أخذ الطلاب يصفقون بحماسة غريبة. رفعت كفي بإشارة لهم أن صمتوا، وقلت: «هذا الضفدع سيعود أمامكم أميرا».
ازداد التصفيق، علت الصيحات وأنا أدفع بالضفدع للساحر الذي رفض استلامه، أول ما لامس كفه جلد الضفدع النابض انتفض، فقفز الضفدع، لحق به الطلاب. ركضت إلى جدار الإدارة، أمسكت بمكنسة أم تحسين الآذنة، وصحتُ: «هرب الضفدع، ولكن الساحر سيخرج لنا المناديل الملونة الجميلة من عصا المكنسة».
رفض الساحر أن يمسك المكنسة، فطلبت من الطلاب أن يسمعوني: «هذا الساحر نصاب وعلى المديرة أن تعيد إلينا نقودنا». وسعد ورائي يسألني: «أي نقود؟! نحن لم ندفع..»، وأكملت: «غداً، وفي هذا المكان، سأحول أمامكم الضفدع إلى أمير، وأخرج المناديل الملونة من عصا أم تحسين».