عمان - محمود الزواوي - مات صديقي مصطفى العقاد، وماتت قبله بيومين ابنته ريما في ربيع العمر. فقد اختطفهما الإرهاب الغاشم أثناء زيارتهما لعمان لحضور زفاف أحد الأصدقاء. واختطف الإرهاب الأعمى مصطفى العقاد قبل أن يحقق حلمه بإخراج فيلم «صلاح الدين» الذي كان سيكمل فيه ثلاثيته السينمائية المتعلقة بالتاريخ العربي التي تشمل أيضا فيلمي «الرسالة» (1976) و«أسد الصحراء: عمر المختار» (1981).
التطرف بكافة صوره هو عين الجهل.
مصطفى العقاد
لم يكن مصطفى العقاد الذي عرفته منذ أن كان سينمائيا متدربا يسجل وقائع مؤتمرات منظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة، حين كنا عضوين فيها، سينمائيا وفنانا متعدد المواهب فحسب، بل كان أيضا عربيا أصيلا صاحب قضية، وإنسانا شامخا يحب الناس ويحترمهم ويقدرهم بكافة انتماءاتهم الدينية والعرقية. وقال حول ذلك «إنني كنت أجاهر في هوليوود دائما بأنني عربي ومسلم، لأنني فخور بذلك. وأنا أحترم وأقدر الأديان الأخرى ـ اليهودية والمسيحية وغيرهما. وعندما ألتقي شخصا يغير دينه أفقد احترامي له، وأحترم من يعتز بأصله وتراثه».
ومما قاله مصطفى العقاد أيضا «اليوم توجد موجة تطرف خطيرة وبدأت تظهر في العراق بشكل فجائي. فالتطرف بكافة صوره هو عين الجهل، ولا أقصد التطرف الديني فقط، فالتطرف في مفهومه العام هو عامل إضعاف الكائن البشري».
وتجسد حياة مصطفى العقاد قصة نجاح تصلح لأن تكون قصة لأحد أفلامه. فقد ولد قبل 72 عاما في مدينة حلب التي قال عنها «حلب هذه المدينة الصغيرة التي أحملها في قلبي دائما هي مدينتي، ولدت ونشأت فيها»، ولكن من يعرف مصطفى العقاد كما عرفته يعرف أنه حمل في قلبه أيضا دمشق وعمان وبيروت وبغداد والرياض والدوحة ومسقط وصنعاء والقاهرة والخرطوم وتونس والجزائر والرباط، وغيرها من المدن العربية التي عشقها والتي لم يوقف التواصل معها عبر غربته التي دامت 50 عاما وعبر مشواره السينمائي الطويل.
ونشأ مصطفى العقاد في أسرة متواضعة الحال، وأظهر شغفا بمشاهدة الأفلام السينمائية التي كانت تعرض على أحد الجدران. وعندما بلغ الثامنة عشرة من العمر قرر أن يصبح مخرجا سينمائيا في هوليوود، وقال إنه عندما باح بأحلامه لأهالي حلب أضحى أضحوكتهم، ونصحوه بالذهاب إلى دمشق أو القاهرة لدراسة الإخراج، إلا أنه كان مصمما على هوليوود. وقال إن والده أعطاه 200 دولار ومصحفا قبل رحيله لأن ذلك كان أقصى قدراته. وقال مصطفى العقاد إن «الرحلة كانت شاقة، فقد ذهبت فقيرا ماديا لكنني غني دينيا وتربويا وقوميا، وهذا كان رأسمالي».
وتخصص مصطفى العقاد في دراسة الفنون المسرحية بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجيليس التي وصفها بأنها كانت تقدم أفضل برنامج لدراسة السينما في الولايات المتحدة وتخرج منها في العام 1958، ثم تابع دراسته العليا في جامعة جنوب كاليفورنيا ومارس فيها إخراج الأفلام الوثائقية وحصل على شهادة الماجسيتر في العام 1961.
وبدأ مصطفى العقاد بعد ذلك ما وصفه «بمرحلة الجوع» وطرق باب العمل في جميع استوديوهات هوليوود السينمائية والتلفزيونية بالإضافة إلى جميع وكالات الدعاية في لوس انجيليس. وأخيرا التقى بالمخرج سام بيكنباه الذي عمل كمساعد له في إخراج فيلم رعاة البقر المتميز «إركب الأراضي العالية»، وتأثر بأسلوبه في الإخراج والكتابة السينمائية. كما تأثر بأسلوب المخرجين ألفريد هيتشكوك وديفيد لين، واستخدم الطواقم الفنية للمخرج ديفيد لين في فيلمي «الرسالة» و«عمر المختار: أسد الصحراء».
ثم عمل مصطفى العقاد كمنتج وكاتب تلفزيوني وأخرج عددا من الأفلام الوثائقية، ولكنه ظل يتوق لإخراج فيلم عن الإسلام، وبدأ الفكرة بإخراج فيلم وثائقي عن الإسلام قبل أن يقنعه الكاتب السينمائي الإيرلندي هاري كريج بتحويل ذلك إلى فيلم روائي.
وبلغت تكاليف إنتاج فيلم «الرسالة» بصيغتيه العربية والإنجليزية 17 مليون دولار، ولكن إيراداته بلغت أضعاف ذلك، وتمت دبلجة الفيلم باثنتي عشرة لغة. وقال مصطفى العقاد إن وزارة الدفاع الأميركية اشترت 000,100 نسخة من شريط فيديو فيلم «الرسالة» لكي يشاهدها الجنود الأميركيون قبل ذهابهم إلى أفغانستان.
وقال مصطفى العقاد «إنني قمت بإخراج فيلم الرسالة لأنه مثل بالنسبة لي مسألة شخصية. ويشتمل الفيلم على قيم فنية رفيعة المستوى وقصة رائعة ودراما إنسانية. ولكن للفيلم مدلولا شخصيا بالنسبة لي كمسلم عاش في الغرب، ولذلك شعرت بأن من واجبي أن أقدم الحقيقة عن الإسلام، وأن أروي قصة لتجسير الهوة مع الغرب».
وبعد ذلك قدم مصطفى العقاد الفيلم الملحمي المتميز «أسد الصحراء: عمر المختار» الذي يتعلق بحياة الزعيم الليبي عمر المختار الذي قاد ثورة ضد الاحتلال الإيطالي على مدى عشرين عاما. وبلغت تكاليف هذا الفيلم الذي قامت ليبيا بتمويله 35 مليون دولار، ويعد الفيلم الأقوى من حيث براعة الإخراج والمستوى الفني بين فيلمي مصطفي العقاد.
وتوجه مصطفى العقاد بعد ذلك إلى إنتاج سلسلة أفلام الرعب «هالوين» التي حققت نجاحا تجاريا كبيرا، والتي أكد لي أنه قام بإنتاجها لجمع المال اللازم لتمويل أفلامه ذات الرسالة القومية والدينية.
وقد عكف المخرج مصطفى العقاد منذ سنين عديدة على الاستعداد لإخراج فيلم «صلاح الدين» وتعاقد مع النجم السينمائي الأسكتلندي شون كونيري لتجسيد شخصية صلاح الدين الأيوبي على الشاشة، وأعلن أن مشاهد هذا الفيلم ستصور في الأردن. ومما قاله مصطفى العقاد «الآن هو التوقيت المناسب لفيلم صلاح الدين، فسيرة صلاح الدين هي الإسقاط المعاصر للأحداث التي تجري على الساحة اليوم، وفي زمنه كانت فلسطين كما هي عليه الآن، لكنه جاء ونظف ووحد وغزا أخلاقيا. إنني أريد إخراج صلاح الدين لتثبيت عروبة القدس»، لكنني لأ أزال أبحث عن تمويل لهذا المشروع الضخم لأن تكلفته باهظة. إنني مصمم وفي التصميم تكمن العزيمة. وقدرت تكاليف إنتاج هذا الفيلم بثمانين مليون دولار.
ومن أقوال مصطفى العقاد «أقول إن ثقتي بالإنسان العربي كبيرة، وهذا من واقع خبرتي الشخصية. فلقد أتيت من بيئة فقيرة واستطعت أن أحقق أهدافي بعد مثابرة عنيفة، وأتمنى من كل عربي ومسلم أن يتمسك بأخلاقياته لأن الغرب ليس افضل منا بشيء وأتمنى أن نتخلص من مركبات النقص المتفشية في مجتمعاتنا».
كما وجه مصطفى العقاد للجيل العربي الجديد هذه الرسالة «الآن يجب أن نسلم الرسالة لكم، إنه دوركم وعلينا أن نرشدكم إلى الدرب الصحيح وننبهكم على الأخطاء التي ارتكبناها لكي تتفادوها. يجب أن ندعمكم بالثقة. وأهم شي أن تفخروا بدينكم وأصولكم ودائما تسلحوا بالعقل والكلمة الواعية».
رحم الله مصطفى العقاد، رحم الله ريما العقاد.