د. اسامة تليلان

ما يفهم من الناحية القانونية، ان حزب جبهة العمل الاسلامي حزب مرخص ومن حقه ان يعبر عن ارائه السياسية ضمن ما كفله الدستور والقوانين من حق لكافة الاحزاب السياسية في التعبير عن مواقفها، وما يفهم ايضا انه حزب سياسي له مفكرية ومنظرية ولدية قدرة على تحليل الواقع، بشكل لا يمكن معه ان نتصور ان الحزب قد اخطأ في حساباته بالنسبة الى النتائج والاكلاف المترتبة على مسيرة المفرق، التي اعتزم اقامتها وانها ستضع الحزب في مجابهة مع شريحة من سكان محافظة المفرق، خصوصا ان المعلومات التي وردت لقيادة الحزب من الاجهزة الحكومية والمحادثات التي تمت مع اعلى السلطات، اشارت الى اهمية ان يعيد الحزب دراسة موقفه من اقامة فعاليته بالمفرق، وان يدرس فرص اقامتها في اوقات اخرى، وبنفس الوقت كانت التصريحات والاشارات من قبل طيف من ابناء المدينة واضحة في ان الأسوأ فيما لو اقيمت الفعالية سيقع.
فقبل ما يقل عن اسابيع قليله شارك الحزب مع ناشطين في الحراك في المفرق بتنظيم فعالية على خلفية الاحداث في سوريا، وواجهت هذه الفعالية معارضة من قبل طيف من مكونات المدينة وفي مقدمتهم بعض العشائر، مما اضطر القائمين عليها الى تغيير موقع الفعالية، التي تمت بناء على ذلك وبعد سلسلة من التوافقات المبدئية والصعبة التي كادت ان تحدث صدام في اللحظات الاخيرة.
ما لا يفهم سياسيا ، اصرار الحزب على اقامة هذه الفعالية الجانبية وغير المركزية بالنسبة الى فعالياته المركزية في العاصمة، رغم تشكل قناعات مبنية على معلومات رسمية وتصريحات من قبل شريحة من اهالي المفرق بأن المواجهة ستحدث طالما اصبح الامر على انه نوع من اختبار الإرادات. وستضع الحزب في مواجهة مع مكونات اهلية بغض النظر عن المبررات التي يمكن ان يقدمها كل طرف حول اسباب حركة الاخر، وستضع اجهزة الدولة المعنية في موقف غاية في الحساسية بحيث يمكن توصيف دورها في افضل الاحوال بانها مع هذا الطرف او ذاك، في وقت تمر فيه البلاد بظروف استثنائية وحساسة للغاية ، وفي الوقت الذي لم يكن عامل الوقت حاسم في اقامة الفعالية، بمعنى انه كان يمكن البحث عن وقت اخر تقام فيه الفعالية باكلاف اقل، فجر كل الاطراف الى ساحة من اختبار الارادات لن يكون من شأنه الا تأزيم الموقف والاستمرار في تسخين الساحة، في وقت بدأت فيه الحكومة بمرحلة فتح ملفات الفساد. ترافق في مسألة عدم الفهم وزاد منها ، ما صدر عن قيادات الحزب من تصريحات بعد الاحداث حملت الكثير من الاستهجان خصوصا انها صبت باتجاه اطلاق اوصاف يصعب تفهمها.
احداث المفرق ينبغي ان تشكل منعطفا سياسا فهي وان كانت غير مقبوله من الناحية القانونية مهما كانت الظروف الا انها تطرح من الناحية السياسية سؤال مركزي ومحوري حول الدوافع من وراء الاصرار على اقامتها في ظل الكلفة المعلومة مسبقا لحزب جبهة العمل الاسلامي لها.  وسواء في احداث المفرق وسؤال الدافع اوغيره، تبقى افضل الخيارات للعبور بالاردن من هذه الحالة الاستمرار في مسيرة الاصلاح على اساس تعزيز بناء دولة القانون،,وسيادة القانون ايا كانت الاكلاف، واعادة الحيوية للنظام السياسي عبر الأسس السليمة التي تقوم على وجود سلطة تشريعية قوية وتستند الى تعددية سياسية وحزبية قادرة على تأطير عمليات التنافس السياسي وتمثيل تطلعات الناس والتعبير عن مطالبهم، بعيدا عن الاحتكام للشارع واختبار الارادات.