عمان- وليد سليمان - كثيرا ما تمتزج الذاكرة الشعبية هنا في الاردن وبالذات في الارياف والبوادي ببعض الافكار والاعتقادات والقصص حول الاشجار وعوالمها الخفية المدهشة حتى ارتبطت بعض الاشجار بحياة مجموعات معينة من الناس بالهالات والدلالات التي توقر وتعطي هيبة نفسية وروحية وقداسية اجتماعية واقتصادية حتى صرنا نحن هنا في الاردن نحتفل سنويا بعيد خاص هو عيد يوم الشجرة.
واذا ما رجعنا الى ما تعنيه الاسطورة قديما لدى الانسان البدائي فقد كانت تعني له قصة الزمان، حيث لم يكن ثمة فرق بين الانسان والحيوان والنبات.. فجميعها كائنات حية لها ارواح!! لذلك هناك العديد من علماء النبات ممن أكدوا ان الاشجار هي اشبه ما تكون قربا بالانسان المؤمن بالله المسبح له.. وهي اي الشجرة تمر ايضا بظروف انفعالية متعددة ومتقلبة من الفرح والسرور الى الحزن والكآبة!!
وقديما في التاريخ وفي الاديان وردت الكثير من مواقف التقدير واشارات التقدير واعلاء شأن الاشجار كشجرة المعرفة التي نهى الله عنها آدم في الجنة.. وفي القرآن الكريم يقسم الله سبحانه وتعالى بشجرتي التين والزيتون!!
وهكذا يصل الامر ببعض الباحثين الى القول: ان للاشجار امكانية التواصل فيما بينها في محيط اشعاعاتها وطاقاتها التي تتأثر كثيرا بالظروف المناخية والنفسية وما يحيط بها من كائنات اخرى حية!! وان الاشجار تتحدث عن كل شيء، فهي قادرة على فهم عدة لغات او رسائل تستخدمها الكائنات الحية والتي يتم نقلها عبر اهتزازات الاصوات.
وفي الكتاب الضخم الصادر عن مؤسسة نهر الاردن في عمان «الاشجار التاريخية والمعمرة في الاردن» من اعداد كمال النعيمات ودينا الكيلاني ومن تصوير فوتوغرافي رائع للسيد «كاتسومي اوتسوكا» نلاحظ ان العناية بهذه الاشجار التاريخية الاردنية يعتبر دليلا وشاهدا حيا على تاريخ وحضارة الاردن الضاربة جذورها في اعماق التاريخ القديم.. لذا علينا ان نزيد ونعزز الوعي حول اهمية المحافظة على هذه الاشجار العريقة في وطننا كالمعالم الهامة جدا والخالدة مثل جرش والبتراء وضانا. وفي هذا الكتاب القيم الشرح والصور نطالع معلومات هامة ومدهشة حول بعض اشجار الاردن المعمرة والتاريخية مثل: البطم الاطلسي والسنديان والسرو والصنوبر والسدر والميس والكينا والخروب والملول والزيتون والسيال والعرعر، ويُقال عن العرعر ان مغلي اوراقه ينفع ضد الفشل الكلوي في مراحله الاولى قبل الغسيل والله اعلم.
وبشيء من التفصيل ورد في الكتاب عن شجر الصنوبر الحلبي ان غاباته كانت قديما تغطي مساحات واسعة من المناطق الشمالية الاردنية، والان تتواجد في «زي» البلقاء وفي دبين جرش شجرة صنوبر تعرف باسم شجرة «الهدأة» اطلق عليها هذا الاسم جلالة الملك المؤسس رحمه الله عبدالله الاول لما يتميز به موقع هذه الشجرة من هدوء وهواء نقي.. فكثيرا ما يزورها المتنزهون ربيعا وصيفا ويجلسون تحت ظلالها الوارفة.
وهناك شجرة «الميس» التي تتواجد في عدة اماكن وخاصة في الكرك وعجلون، ولقد صنع من اغصانها الرومان قديما الاقواس لسهولة صقلها.. وفي «زوبيا» اربد توجد شجرة وحيدة لها اغصان صغيرة كانت تؤخذ منها وتعلق على ملابس الاطفال عند ولادتهم ردا لعين الحسد.
وعن شجر «البطم الاطلسي» فهذا الشجر يتواجد في عدة اماكن منها «ياجوز» في المقبرة الاسلامية، واخرى سميت شجرات «ميسرة» عند مقام الصحابي ميسرة في البلقاء، وشجرة «ابو شيخة» عند قبر احد الصالحين واسمه ابو شيخة.. وهناك اشجار اخرى سميت نسبة للاولياء الصالحين الذين دفنوا تحتها او بالقرب منها مثل: شجرة الشيخ باكير وشجرة «النَّام» التي يتبرك بها اهل المنطقة في «سوف» جرش، حيث يأخذون بعض اغصانها ويربطون بها شعر النساء لدفع الضرر والمرض.. وكانوا قديما يشعلون البخور حول هذه الشجرة. وفي عمان تتواجد اشجار «الملول» ومنها شجرة تسمى «بلال» نسبة لمقام بلال بن رباح مؤذن الرسول «ص» حيث كان يضع الفلاحون اغراض الزراعة عندها فلا يجرؤ احد المساس بها ثم كانوا يستسقون عندها المطر ويكثرون من تلاوة القرآن والادعية والتضرع لشفاء المرضى وللبركة.
وهناك ايضا اشجار «الخضر الاخضر» منها شجرة الخضر في فناء مقام سيدنا الخضر في ماحص عمرها حوالي «500» سنة وهي شجرة مكرمة عليها قطع من شرائط الاقمشة واربطة كثيرة على فروعها للتبرك بها.. وهناك شجرة للخضر اخرى في عجلون حيث ولد سيدنا الياس او النبي ايليا حيث هناك من يقول انه هو نفسه الولي الصالح الخضر.
وهناك شجرات «ابو الشعر» في «عبين» عجلون وعددها اربعة اكبرها عمرا حوالي «700» سنة، وهناك اشجار اخرى كثيرة تاريخية هامة في الاردن مثل: شجرة النبي حريز، شجرة الغولة، شجرة العروس، شجرة المضري، شجرة فاميا، وشجر السيال والطلح والقيقب.