ابتداء نحترم سائر دولنا العربية الشقيقة ولا نتدخل في شؤون أي منها، وبعد.

شخصيا وبعيدا عن مواطن التزلف والنفاق المرتبط بمصلحة شخصية، فأنا معجب جدا بالنموذج العربي الموضوعي المتطور الذي تجسده دولة قطر العربية الناهضة.

قطر بمقاييس المساحة وتعداد السكان، دولة صغيرة، أما بمقاييس الدور والحضور والمكانة الدولية، فهي وبحق، دولة كبرى.

كيف أحرزت «قطر» كل هذا ليس دوليا فقط وإنما إقليميا كذلك؟، والجواب بالنسبة لي وفي تقديري، يستند إلى استراتيجية سياسية ذكية جدا انتهجتها «قطر» على مدى ربع قرن مضى وبتدرج، بعد أن أنعم الله عليها بثروة الغاز وتوابعه.

قامت تلك الاستراتيجية على ما يلي.

اولا.. توظيف تلك الثروة في المقام الأول لمصلحة شعبها الشقيق في مختلف مناحي الحياة، وهنا، اشتبكت القيادة القطرية اكثر إيجابيا مع الشعب، وصار من غير الممكن لأية جهة مخاصمة خلق حالة من عدم التوافق بين القيادة والشعب، وهذا أمر ظهر جليا خلال فترة المقاطعة أو حتى الحصار إن أردتم، والذي فرضته دول شقيقة جارة على قطر.

ثانيا.. وظفت قطر جزءا من ثروتها وبذكاء منقطع النظير لغرض حضور فعال لها في العالم الإسلامي، وبالذات الجهات المظلومة المدافعة عن حقوقها غير ملتفتة كثيرا لقيود الدول الكبرى، والتي وجدت نفسها مضطرة للاستعانة بالدور والنفوذ القطري في مساعيها لحل مشكلاتها مع تلك الجهات ومنها وعلى سبيل المثال.. طالبان وحماس، فأميركا «ام ندهتين» لم يكن بمقدورها إجلاء رعاياها ورعايا غيرها من أفغانستان، إلا بتدخل قطري مباشر على الأرض جعل كبار المسؤولين الأميركيين يتسابقون على المنصات للتعبير عن الشكر والعرفان لدولة قطر.

ثالثا.. أخذت قطر دورا موضوعيا موثرا في دعم المقاومة الفلسطينية الحقيقية للاحتلال وظلمه، وهذا أكسبها المزيد من إعجاب واحترام الشعوب العربية والإسلامية كافة إن علنا أو سرا.

رابعا.. لم تتدخل قطر سلبيا وسرا في الشؤون الداخلية لأي من العرب، وحرصت في اللحظة ذاتها على الاحتفاظ بعلاقات ودية طبيعية من دول إقليمية مؤثرة، منها تركيا وايران مثلا.

خامسا.. أدركت القيادة القطرية مبكرا وقبل الجميع من دول المنطقة، الأهمية الكبرى للمنبر الاعلامي الحر ذي الانتشار الواسع عبر العالم، وانشأت قناة الجزيرة ذائعة الصيت، والتي جسدت ولأول مرة إعلاما عربيا حرا أقوى بكثير من أشهر القنوات العالمية، وعلى نحو بهر العالم كله، إذ يرى إعلاما متطورا جدا يمثل مصدرا موثوقا ومحايدا في إحدى دول العالم الثالث حيث الإعلام المدجن حكوميا.

سادسا.. كل ما سبق جعل «قطر» تخرج من جدار المقاطعة أقوى من ذي قبل وبصورة اذهلت ليس العرب فقط، وإنما قوى النفوذ العالمي كافة..

سابعا.. قطر في طريقها لأن تكون انموذجا عربيا فريدا بتميزه في نظر العالم، والعرب المخلصين لعروبتهم ولعقيدتهم.

وعليه، ولمصلحة العرب والعروبة وفلسطين وقضيتها، أرى أن تعاونا أردنيا قطريا سعوديا مصريا قائما على نيات سليمات لا غلبة فيها لأحد على آخر، يمكن أن يخرج سائر شعوب العرب من أزماتها المستفحلة، والأهم، يمكن أن يجعل الكيان الصهيوني يركع صاغرا لحقوق العرب والمسلمين، خاصة إذا امتد هذا التعاون إلى تركيا وايران إن هي أرادت.

تحية لقطر شعبا وقيادة ولسائر العرب. والله من وراء قصدي.