الدكتور عامر العورتاني  أخصائي علم الاجتماع Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com

يكمن السرّ في كلمة الاحتواء باعتبارها صمام الأمان الذي يمكن الاعتماد عليه في التغلّب على بعض المشكلات، ومساعدة الآخر على تجاوز بعض المواقف الصعبة التي ترافق الحياة اليومية. فالاحتواء يمثّل إدارة تتضمن الفن والمهارة التي تولّد طاقة مُحركة للعواطف، وقادرة على ملامسة مشاعر الآخرين، وتفهّم طبيعتها، والتعامل معها بأسلوب يعينهم على تخطّي الكثير من المشاكل التي تداهم حياتهم، وتؤثر في علاقاتهم الاجتماعية. فالحياة الخالية من هذه المهارة تتصف بالبرود الذي يصل حدّ موت المشاعر وانعدامها، فالقدرة على فهم الناس، وإدراك ?قيقة معاناتهم تنعكس حتماً بشكل إيجابيّ على واقعهم، فالرعاية التي يمكن تقديمها للطرف الآخر بالحفاظ على جسر التواصل مُتاحاً بهدف زيادة التفاهم، يخلق أجواء من الحوار البنّاء الذي يمكن من خلاله إيجاد محيط داعم، وإحساس بالأمان، في حين أنّ الأفراد الذين يفتقرون لقيمة التواصل مع غيرهم، ويفتقدون من يتفهّم مشكلاتهم، ويدرك ألمهم ومخاوفهم، يكونون أكثر عُرضة للإصابة بأمراض مختلفة كأمراض القلب، وأعراض الاكتئاب وغيرها، إضافة إلى ضعف قدراتهم المعرفية والإدراكية.

إذاً فالاحتواء يعني قدرة الإنسان على التعاطف مع آمال وآلام الآخرين، بعيداً عن النقد. وهو كذلك يعني قدرة الشخص على التعامل مع مشكلة الآخر على أنها موقف يحتاج إلى قرار، فصاحب القدرة على الاحتواء هو في الحقيقة إنسان ناضج، ومتفهّم، وقادر على تقبّل الآخر.

إنّ امتلاك الأفراد مهارة الاحتواء، ونجاحهم في إدارتها لا شكّ يجعل العلاقات صحية وناجحة، مما يُسهم في إضفاء مشاعر السعادة والرضا على أجواء العلاقات الإنسانية، وهو ما يتضح في مختلف نماذج العلاقات، ففي بداية العلاقة الزوجية مثلاً يُعتبر وجود التفاهم، وسعي كلا الطرفين لاستيعاب متطلبات الحياة الجديدة، ومحاولة التأقلم مع صيغة الشراكة الثنائية الهادفة إلى تكوين الأسرة ؛ خطوات بالغة الأهمية باتجاه إنجاح هذه العلاقة، وإلّا فإنّ اعتماد مبدأ استنزاف تنازلات الطرف الآخر - والذي هو غالباً المرأة - سيكون بمثابة كرة الث?ج التي يتعاظم حجمها في غفلة التنازلات، إلى أن تجد الأسرة نفسها أمام أزمة هي أشبه بالقنبلة التي تمّ تأجيل موعد انفجارها إلى مرحلة الأربعينات أو الخمسينات من عمر الزوجين، تلك المرحلة التي تُعد مرحلة طبيعيّة و مقلقة في حدّ ذاتها إذ يواجه أحدهما أو كلاهما أزمة منتصف العُمر، فكيف إذا ما أضيفت إليها ضغوطات تراكمت عبر عشرين عاماً مضت.

فالمرأة في منتصف العُمر تعيد تقييم موقفها بعد أن كبر الأولاد، وربما أصبحت خارج إطار العمل بسبب بلوغها مرحلة التقاعد، إضافة إلى ما تعانيه من تغيّرات جسمية وهرمونية، فتبدأ بالشعور بفقدان قيمة ذاتها، وملامح هويتها وكأنها أصبحت إنسانة جديدة عديمة القيمة، وقد نال منها تعب السنين، وجراح التنازلات والتضحيات، وقد يزداد الأمر سوءاً بفعل تتابع صفعات الخذلان والإهمال من قبل الزوج، الذي لم يُلق بالاً لمعاناتها وانصرف يبحث عن بداية جديدة ليُثبت شعوره بالتفوّق، وللإنصاف فإنّ كلا الزوجين يعاني جرّاء تداعيات بلوغ منتصف ال?مر، وقد تستجيب الزوجة لمخرجات تقييم واقعها الذي آلت إليه بالبحث عن ذات جديدة من خلال العناية بشكلها وجمالها، وقد يلجأ الزوج لعلاقة جديدة، أوقد يهمل كلّ منهما نفسه مستسلماً، وهنا فإنّ طريقة التجاوب مع طبيعة هذه المرحلة تختلف من حالة إلى أخرى، فإذا ما أحسن الطرفان احتواء بعضهما منذ البداية فإنّ حجم الأزمة لن يتعدى زوبعة الفنجان، والفرصة مُحتملة كذلك إذا ما تنبّها متأخرين فأحسن كلّ منهما احتواء الآخر للمرور عبر العاصفة بأقلّ الخسائر.

صورة أخرى يمثُل الاحتواء فيها ضرورة أساسية من ضرورات التنشئة وتربية الأبناء، لا سيّما في مرحلة البلوغ التي تتضمن حركة سريعة من التغيرات الهرمونية والجسمية، إضافة إلى الضغوطات الدراسية والاجتماعية وأحياناً الاقتصادية، والتي قد يرافقها حالات من التنمّر من قبل بعض الأقران، الأمر الذي يحتاج بشكل مُلحّ إلى خطة احتواء مشتركة من قبل الوالدين للمرور عبر هذه المرحلة بسلام.

وفي ظلّ ارتفاع معدلات البطالة بفعل الأزمات والظروف الاقتصادية ؛ فإنّ الحاجة إلى وجود برامج متخصصة تُعنى باحتواء أولئك الشباب الذين أنهوا دراستهم وهم يرسمون لوحات مليئة بخطط المستقبل ومشاريعه التي يقف حال سوق العمل دون تحقيقها، فلا بدّ من العمل على استثمار طاقاتهم، وتمكينهم عبر التدريب والتأهيل خلال فترة التعطّل، وإلّا فإنّ طول مدة التعطّل وما يرافقه من ظروف نفسية و اقتصادية واجتماعية ضاغطة ؛ ستعود على الشباب بآثار سلبية ستنال بداية من معلوماتهم وحماسهم واندفاعهم نحو الحياة، ليتخللها الوقوع فريسة لليأس والإ?باط بين براثن الوقت الفارغ، وما قد يؤول به الحال ببعضهم جرّاء الكثير من المفاسد التي قد تودي بمستقبلهم.

أما وحال نسبة كبيرة من الشباب هكذا، فإنّ مشكلة أخرى نشأت في كنف مشكلة البطالة وظلال الواقع الاقتصادي، وهي العنوسة، ذلك الوصف المَقيت الذي يُشبه السكين ذو النصلّ الحاد، فتلك الفتاة التي لم تجد الشريك المناسب لها - والأسباب هنا عديدة - تحتاج لمن يُنصت إلى ذلك الحوار الذي تخوضه مع نفسها يومياً، وهنا فإنّ دور بقيّة أفراد الأسرة يغدو مهمّا ً في احتواء مشاعرها، ودعمها، ومنحها الإحساس الكامل بالحُبّ والقبول والتقدير.

كذلك الأمر فيما يتعلق بفئات مثل كبار السن، والأيتام، ونزلاء دور الرعاية ومراكز الإصلاح والتأهيل، ومراكز علاج الإدمان، فهؤلاء أيضاً بحاجة إلى الكثير من آليات الدعم التي تحتوي ما يواجهونه جرّاء ظروفهم المرتبطة بالمشكلات التي يواجهونها، أو بمراحلهم العمرية، أو أماكن إقامتهم، وما يفتقدونه نتيجة ذلك من مشاعر العلاقات العائلية الطبيعية.

والاحتواء يظهر في عدد من الأنواع ؛ فمنه الفكري و الانفعالي، والجسدي، إضافة إلى النوع الذي يتجسد فيه الاحتواء من خلال التغافل أو الاعتذار والكلمة الطيّبة، وكلّها طرق تؤدي إلى ملامسة مشاعر الطرف الذي يعاني، وتفهّم مكمن الألم لديه، والسعي لمساعدته في تجاوز ذلك الألم أو تحقيق ذلك الأمل، وهو ما يتحقق عبر الحوار الصبر والعفو والتجاوز، وهو ما يجعل الاحتواء القيمة الأكثر سحراً بين القيم ومهارات العلاقات الإنسانية.