ملك يوسف التل

أنا ذلك الإنسان الذي يعرف الواقع، عاش تجربة الإدارة، من أصغر وظيفة حتى أكبر وظيفة في هذا البلد، يعرف هموم الوطن وهموم المواطن، يحاول أن ينقل تجارب دول أخرى إلى الوطن، يطوعها ولا يتقيد بها، ولا يلتزمها

ربط إصلاح المنظومة السياسية بعدد من السنوات تجديف في الغيب

الأحزاب ما زالت في بلادنا تتراوح بين أحزاب النخبة وأحزاب القيادات وأحزاب الوجاهة وأحزاب الجمعة من أجل الوصول إلى مصالح شخصية

لا أفكر بتشكيل حزب، فقد تجاوزنا هذه المرحلة العمرية

بعض المسؤولين يعتقدون أنهم أهل العلم والفقه ولا يحتاجون لرأي الآخر


يدهشك الرئيس الدكتور عبد الرؤوف الروابدة في أنه يعرف تماماً حدوده والمساحة الواسعة التي يمتلك أهلية الخوض فيها، بقدر ما يعرف حدوده وأحجام الآخرين والمساحة التي يمكنهم خوضها دون حرج.

ولذلك يعترف أبو عصام بأنه تجاوز المرحلة العمرية التي تمنحه قابلية أن ينشئ حزباً جديداً، فهو في ثمانينيات الرضا والعافية.

لكنه لا يقبل من الآخرين أن يتهموه، مثلاً، بأنه من قوى الشدّ العكسي التي تريد تفصيل إصلاح منظومة الإصلاح على مقاس إدامة الراهن.

ويفاجئك بأن مهاراته في الذود عن إدارته المعنوية كرجل دولة ذي بصمة ناطقة بصوت مسموع، ما زالت كما هي قبل خمسين سنة، إن لم تكن أضحت أكثر قسوة وأقل إثارة للنكتة،فهو يستخدم في توصيف المسيئين له كل ملكاته الأدبية وهي فائضة ومدبّبة.

يتميّز الرئيس الروابدة أنه، ربما، الوحيد من رجالات الدولة الذين يمتلكون رصيداً متراكماً على مدى خمسين عاماً في البيروقراطية الأردنية، لكونه بدأ صيدلانياً وانتهى الآن ببيت خبرة في وصف العلاجات التي يمكن أن تداوي الإدارة العامة للدولة، ما صغر منها وما كبر.

هو «الصيدلاني» الذي يكون في معظم الأحيان أكثر قدرة على تشخيص العلة وتوصيف الدواء من أطباء الاختصاص المقطوع.

صار الرئيس الروابدة أكثر قدرة على المجاملة حتى وهو يقف على الجانب الآخر من الطريق.

اكتفى بوصف رزمة الإصلاح بأنها جهد مشكور يمتلك قوة الإجماع، بانتظار أن توضع النتائج على طبلية التجربة.

واكتفى من التعقيب اليابس بالقول ان «ربط إصلاح المنظومة السياسية بعدد من السنوات هو تجديف في الغيب».

طريقة ذكية وثرية المخيلة، هي الأوصاف التي سمّى بها الرئيس الروابدة نفسه، ردّاً على الذين يصفونه مرة بأنه حرس قديم ومرة أخرى بأنه عنود في ديمقراطية العشيرة، لكنها أغلب الظن لا تنهي الجدل.

طوال الأشهر الماضية التي فاض فيها الحديث عن إصلاح المنظومة السياسية كان هناك بين الكتاب والمحللين من يقول ان لدينا طبقة يسميهم البعض الحرس القديم ويصفهم آخرون بأنهم قوى الشد العكسي الذين يريدون الإصلاح شعاراً يمنع التغيير أو الاصلاح الحقيقي ويكتفي بإعادة شدشدة الوضع الراهن. وحين يُسألون شخصيا أن يعطوا أمثلة على هذه الرموز يهمسون باسم عبد الرؤوف الروابدة ، كمثال أو نموذج... انتم الان بأي خانة من التصنيفات السريعة (ليبرالي، محافظ، قومي، اسلام سياسي، الخ) يمكن ان تقبلوا بادراج انفسكم؟

ليس من مسؤوليتي أو من واجبي أن أجيب على أولئك الذين يحاولون أن يصطادوا في البحر الميت، هؤلاء الذين فقدوا شخصياتهم، ولم يستطيعوا أن يبنوا شخصيات بديلة لهم، هؤلاء القصار الذين يحاولون أن يركبوا على أكتاف الكبار حتى يراهم الناس، هؤلاء الذين يعيشون على إطلاق الاتهامات يميناً ويساراً حتى يحس الناس بهم،البناة صانعو الأوطان هم الذين يكون لهم موقف ثابت مستقر، يتطور وفق أحوال وحاجات الوطن.

أنا لست أياً من هؤلاء، أنا ذلك المواطن الأردني، الحراث ابن الحراث، الذي نشأ على ربى هذا الوطن، رضع من ثدي هذا الوطن، يعمل لبناء هذا الوطن وفقاً لقناعاته، لا يستجدي أحداً أن يأخذ منه موقفاً.

انا ذلك الإنسان الذي يعرف الواقع، عاش تجربة الإدارة، من أصغر وظيفة حتى أكبر وظيفة في هذا البلد، يعرف هموم الوطن وهموم المواطن، يحاول أن ينقل تجارب دول أخرى إلى الوطن، يطوعها ولا يتقيد بها، ولا يلتزمها.

لا أحب هذه الإطلاقات بتاتاً، أنا عبدالرؤوف الروابدة، المتدين بالفطرة بوعي، المنفتح على الدنيا غير المنغلق على واقع قديم ثابت مستقر، ذلك الإنسان الديمقراطي بطبيعته، الذي عاش ديمقراطية القرية، وديمقراطية العشيرة وديمقراطية البادية التي تطورت لتصبح ديمقراطية الوطن، هذا الذي يعرف هموم المواطنين ويعرف سبل إصلاحها، لا يستجدي حلولاً من تجارب أمم ودول أخرى.

ولذلك لا أحب هذه التعميمات. ليطلقوها على أنفسهم، لعلهم يستطيعون بذلك أن يجترحوا شيئاً على واقع الوطن.

لنتطلع منذ عام 1989 عندما عادت الديمقراطية إلى الوطن، كم صاحوا وكم هتفوا، وكم اتهموا وكم أدانوا، ووصلوا إلى المسؤولية وتسلموها وكانوا أضعف من أن يجروا تغييراً بسيطاً فيها لأنهم لا يعلمون حاجات الوطن وحقيقته.

انتهت لجنة اصلاح المنظومة السياسية إلى تصور بشأن الحياة البرلمانية والحزبية و تختلف الآراء بشأن قدرتها فعلا على تحقيق اصلاح مفترض تتفاوت الآراء بتوصيفه. كيف تقيمون مخرجات اللجنة حتى الآن في طموحها أن تتحقق أول حكومة برلمانية بعد عشرين سنة، ثم موافقتها على تخفيض الفترة لعشر سنوات؟

أنا لا أدخل في هذه المتاهة، لكنني أقول أن أكبر ما في هذه اللجنة أنها جمعت مختلف الآراء ومختلف المواقف، ما يتفقون عليه بالنسبة لي جيد وممتاز، وهذا لا يعني أن رأيي يتفق مع كل ما يقولون، لأن الأساس في الإصلاح هو ذلك الذي يتفق عليه معظم المواطنين، وذلك الذي يناسب شؤون الوطن في مرحلة معينة في مراحل الزمن، وتتغير هذه المرحلة من وقت إلى آخر، وتتغير حاجاتها.

أتمنى أن يطبق ما ستقوله اللجنة، أن يجري على أرض الواقع، لنختبر إن كان ما اتفقت عليه هذه الكثرة من الآراء المختلفة في هذا البلد ستكون قادرة على أن توصلنا إلى الإصلاح الذي ننشد أم لا.

أما ربط الأمور بعدد من السنوات فهو تجديف في الغيب، هذا أمر يتعلق بالناس، بالبشر، بالممارسة، بوسائل التدخل سواء كانت المال أو الأجهزة أو القوى الفاعلة على أرض الوطن، نحن نتمنى أن أي نموذج إصلاحي تتفق عليه معظم الآراء والأفكار أن يجد مجاله للتطبيق لنرى النتيجة على أرض الواقع.

لكم في الممارسة الحزبية اثنتان مؤكدتان في تسعينيات القرن الماضي وهما حزب اليقظة الحزب الوطني الدستوري، وثالثة غير موثقة أيام الجامعة الأميركية مع الاخوان المسلمين. كيف ترون الأحزاب المفترضة أو المنتظرة، وقدرتها على اجتثات حالة الرفض أو التوجس أو اللامبالاة التي يستشعرها الناس تجاه الأحزاب بسبب تاريخ طويل من الملاحقة والشك بالأحزاب؟

الأمة العربية بكل دولها لم تعرف الحزبية الحقيقية. الحزبية ليست ديناً ولا عقيدة، وإنما هي فكر، تلتقي في داخله كل الأنواع وكل القوى: المتدين وغير المتدين، الديني والعلماني، اليميني واليساري، يتفقون على شيء واحد هو مصلحة الوطن وشؤون المواطنين ومستقبل هذا الوطن والدفاع عن قضاياه وحريته. هذا الشيء لم نعرفه. الأحزاب التي قامت على الأرض العربية أحزاب عقائدية، تراوحت بين اليمين واليسار، ولذلك لم تطرح شؤون المواطنين، ولم تتعلق بشؤون الأوطان، وإنما كانت تتحدث عن مستقبل غير منظور، يستجدون الإصلاح من قوى وفعاليات أخرى،فالأحزاب التي عرفها العالم الديمقراطي هي الأحزاب الوطنية، وهذا لا يعني أن الأخرى ليست وطنية.

والوطنية هي التي تنطلق من شؤون الوطن، تناقش قضاياه، بمعنى لو كانت تنظيماً حزبياً في الأردن ليقل لنا كيف سيحل مشكلة المياه، وكيف سيحل مشكلة المديونية، كيف سيحل مشكلة البطالة، وكيف سيحل مشكلة الفقر والغنى..الخ، هذه هي القضايا التي تريدها الأوطان، وليس أن تعدنا بالطوباوية، أنك إن وصلت إلى المسؤولية فستصنع المعجزات. لقد عرفناك عندما وصلت إلى المسؤولية، يمينياً كنت أم يسارياً، اعترفت بالديمقراطية من درجة واحدة، فأغلقت الدكانة على الآخرين واحتفظت بها لنفسك وكانت النهاية ما وصلنا إليه.

في تسعينيات القرن الماضي أصبح هناك توجهاً لدى الناس للأحزاب الوطنية، للأحزاب الإصلاحية، وللأحزاب البرامجية، لكن المواطنين كانوا يعيشون بتجارب الأحزاب العقائدية، وما زالوا يعيشون الكوارث التي أدت إليها، عندما توسلوا العسكر وسيلة للحكم، فانتهوا، نجحوا أو فشلوا،في المنافي والسجون والمعتقلات. ولذلك كان الآباء يحذرون الأبناء من الحزبية، وما زال المواطن ليس مرتاحاً للعملية الحزبية وكذلك أنظمة الحكم في العالم العربي كاملاً.

الشعوب لا تغير توجهها بسرعة وبقرار إداري بتاتاً، بأي شكل من الأشكال، ولذلك أعتقد أن الأحزاب ما زالت في بلادنا تتراوح بين أحزاب النخبة وأحزاب القيادات وأحزاب الوجاهة وأحزاب الجمعة من أجل الوصول إلى مصالح شخصية. هذا في قناعتي في الأعم الأغلب، وبالتالي أعتقد أن التجربة الحزبية ما زالت تجربة غير ناجحة ولا تتجه الاتجاه الصحيح، نتمنى إن شاء الله أن يتم هذا التطور أولاً بان يتقلص عدد الاحزاب، وأن تكثر قواعدها و يكونوا قادرين على التوجه إلى الجماهير التي تنتخبهم، ليشكلوا بذلك أكثرية في البرلمان تصبح قادرة على تشكيل الحكومات.

هل تفكرون بإنشاء حزب جديد؟

كلا، أعتقد أننا تجاوزنا هذه المرحلة العمرية، وبالتالي من حق الشباب أن يتحركوا في هذا المجال، الميدان ميدانهم، نحن فقط أصحاب بيت خبرة، يستمعون إليها، ما يعجبهم من كلامنا يأخذون به وما لا يعجبهم يرمونه في البحر، هذا ميدان الآن مفتوح لجيل الشباب.

لا أعتقد أن الاعتماد على قيادات تاريخية، وقيادات وظيفية قادر أن ينشئ حركة حزبية، الحركة الحزبية تنطلق من القاعدة، القيادة الفكرية يستفيد منها الشباب ليصنعوا فكرهم وتجربتهم الإدارية، وأعتقد ان الشباب هم أصحاب المصلحة الحقيقية في تشكيل الأحزاب وفي قيادتها على أن يحاولوا أن يستفيدوا من آراء من سبقهم في هذا الميدان، سواء قبلوها أم لم يقبلوها.

هل لدينا من المسؤولين من هو مستعد للاستفادة من خبرات من سبقوهم في مواقع القيادة؟

نعم يوجد ذلك عند البعض، بعض المسؤولين يسألون أحياناً،و ليس شرطاً أن يلتزم برأيك، ولكن مجرد رغبته في السؤال تعني أنه يريد التعلم، و أنه يريد التحسين، وذلك ليس معناه أن يلتزم، فهو يسمع رأيي ورأي غيري حتى يمحص الآراء ويخرج بما يعتقد أنه الأنسب، وبعضهم يعتقدون أنهم أهل العلم والفقه والتجربة ولا يحتاجون لرأي الآخر، وهذا حقهم.

لكم كتابان عن الديمقراطية والانتخابات نشرتموهما مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد أحداث عام 1989وعودة التعددية والانتخابات العتيدة. الكتابان اللذان لم اعثر عليهما ـ احدهما باسم الديمقراطية بين النظرية والتطبيق والثاني باسم الانتخابات النيابية بين النظرية والتطبيق، الان لو اردتم تنقيحهما بما استجد خلال 30 سنة كيف ستلخصون رؤية الديمقراطية والانتخابات بين النظرية والتطبيق؟

هذان الكتابان اللذان أصدرتهما كانا كتابين فكريين، لا يتعلقان بواقع الحياة اليومية،وكنت تكلمت في تلك الأيام عن قانون الانتخاب المعمول به، قانون الانتخاب تغير مرات عدة، وأعتقد أن من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الدولة الأردنية أنها حدت أنظمة الانتخاب.

الأصل في الحكومات أن أي نظام انتخاب يجري عليه على الأقل 3-4 انتخابات، حتى يعتاد الناس عليه، يعرفون البوصلة، كيف يتعاملون مع بعضهم، كيف يتفقون، كيف يختلفون اختلافاً منطقياً علمياً، لكن عندما تجري مثل هذه التغييرات يفقد المواطن الأردني البوصلة، ولا يعرف من انتخاب إلى آخر كيف يتحرك وكيف يتعامل.

أمنيتي أن يستقر قانون الانتخاب، عندها سأقول للجيل الذي تلانا، عن رأينا، ماذا كان هناك من إيجابيات وسلبيات وكيف يمكن تعزيز الإيجابيات، وتخفيف السلبيات، أما في ظل الواقع الحالي، كل أربع سنوات يجري لدينا قانون انتخاب، فأعتقد أننا فقدنا القدرة على التحليل وتقديم التوصيات.