كان الشاعر «محمد بن عباد» وهو أحد ملوك الطوائف في اشبيلية بالاندلس يتمشى مع صاحبه ووزيره «ابن عمار» عند مرج الفضة.. وبينما هما يتمشيان وصلا عند ضفاف نهر الوادي الكبير.. فنظر ابن عباد الى تموجات النهر التي تحدث بفعل الرياح فقال:

(صنعَ الريحُ منَ الماءِ زردْ).

وطلب من ابن عمار ان يكمل كلمات بيته الشعري!؟.

وقد كان ابن عمار نفسه شاعرا.. فأخذ ابن عمار يفكر ويفكر - لكن دون جدوى كأن الله أراد أن يخرسه-.

لتنطق تكملة هذا البيت الشعري على لسان جارية اسمها «اعتماد»- التي سمعتهما بينما هي تغسل الثياب عند حافة النهر، حيث أكملت قائلة مسمعهما:

(أيُّ درعٍ لقتالٍ لوْ جمدْ).

وهكذا وبكلماتها أكملت «اعتماد» صدر البيت الشعري الذي نطق به الأمير.. فأعجب بها وتزوجها وأصبحت أميرة بعد ان كانت جارية.

فقد كان نصف هذا البيت الشعري سبب سعدها ثم شقائها فيما بعد!! فما ان وقعت عين محمد بن عبّاد عليها حتى افتتن بجمالها, كما افتتن بسرعة بديهتها وذكائها.

وعرف «محمد بن عبّاد»..انها جارية عند «الرميك ابن الحجاج» تخدم زوجته.. فأرسل الخدم والمزينات ليخطبوها له ويحملوها إليه لا كجارية ولكن كزوجة حُرَّة.

وكان محمد مُغرماً ولِهاً بها..لا يصبر على فراقها ساعة.. يكن لها محبة خاصة.. حتى إذا مات أبوه المعتضد.. وتولى من بعده الحكم..اشتق لقبه من حروف اسمها «اعتماد» فسمى نفسه «المعتمد بالله بن عبّاد».

وهكذا فأخبار التاريخ خلدت محبته لها, فقد عاشت معه في رفاهية وعزٍ فاق الوصف.. وحظيت عنده حتى كان لا يرد لها طلباً.

وفي يوم من الأيام رأت اعتماد بعض الجواري يبعن اللبن.. وقد شمَّرن عن سيقانهن وسواعدهن يخضن في الطين.. فحنَّت اعتماد إلى ماضيها فقالت:

اشتهي أن أفعل أنا وبناتي كفعل هؤلاء الجواري.. فما كان من «ابن عبّاد» الملك آنذاك إلا ان بادر الى تلبية طلبها بعد ان رفض في البداية خشية ان يراهن الناس بالوحل!!.. ولكنه وبطريقة البذخ والتبذير أمر بإحضار العنبر والمسك والكافور إلى ساحة قصره.. ليُسحق كل ذلك بماء الورد ليكون على هيئة الطين, وأحضر القِرب والحبال لاعتماد وبناتها الأميرات, فحملن القرب والحبال ورفعن عن سيقانهن وخضن في طين العنبر والمسك والكافور!!.

وكان المعتمد بن عباد قد فزع من «ابن تاشفين» في بلاد المغرب ان ينزعه المُلك فكتب الى «الفونسو» يطلب نصرته.. وعندما علم ابن تاشفين بما فعله المعتمد بعد ان كان سابقاً قد نصر المعتمد على الفونسو!! لذا فقد راح ابن تاشفين يحشد جنده إلى أشبيلية في الأندلس.

وقاتل ابن تاشفين القادم من المغرب «المعتمد بن عباد» الذي ما لبث ان استسلم!! على ان يؤمن له ابن تاشفين دمه ودم عياله من القتل.

وأخرج ابن تاشفين؛ المعتمد من الاندلس ذليلاً على مشهد ومرأى من الناس..ونفاه الى اقصى بلاد المغرب الى مدينة «أغمات».

وامعاناً في إذلاله اسكنه في بيت وضيع بدائي.. ووضع عليه حارساً غليظاً.. حتى لا يخرج من البيت.. ولم يكتفي بذلك بل منع عنه المال والأقوات.. فأصبحت بناته حُفاة فقراء يغزلن الغزل ليبعنه في الأسواق ولا يجدن من يشتري منهن إلا القليل جدا من الناس.. واصبح الناس يتصدقون عليهن بالمال والطعام والملابس!!.

وفي أيام الذل هذه يُقال أن المعتمد أغضب اعتماد!! فقالت له:

(لم أر منك خيراً قط!!).

فقال لها: ولا يوم الطين؟! فبكت واعتذرت.

وماتت اعتماد ولم تتحمل الذل.. وحزن المعتمد عليها حزناً شديداً, ومات بعدها بثلاثة أشهر حزناً وكمداً عليها ودفنا كلاهما في مدينة «اغمات» جنوب المغرب.. ولا يزال قبرهما مزاراً..ومكتوب عليه هذا البيت للمعتمد

(قبر الغريب سقاك الرائح الغادي

حقا ظفرت بأشلاء ابن عباد).

و كان ابن عباد قبل ذلك قد كتب قصيدة يرثى نفسه يوم العيد وهو في المنفى, ومنها مثلاً:

(فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فساءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس مـا يملكـن قطميـرا

برزن نحوك للتسليم خاشعة

أبصارهن حسيـرات مكاسيـرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطـأ مسكـاً وكافـورا

لا خدّ إلا ويشكو الجدب ظاهره

وقبل كان بماء الورد مغمورا

لكنه بسُيـول الحـزن مُختـرقٌ

وليس إلا مع الأنفاس ممطـورا

أفطرت في العيد لا عادت مساءتـه

فكـان فطـرك للأكبـاد تفطيـرا

قد كان دهرك إن تأمره ممتثـلاً

فـردك الدهـر منهيـاً ومأمـورا).