الرأي - رصد

تقدّم إلى الواجهة موضوع اقتراع المغتربين اللبنانيين في الخارج وتأثيرهم على المعادلة الداخلية واحتمال تغيير الأكثرية النيابية الحالية، في ظل تباينات حول حقهم في الانتخاب واختلاف المقاربة حول هذا الحق بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في ظل مخاوف تبدأ بتعليق المادة 112 من قانون الانتخاب لمنع تصويت المغتربين كحد أقصى، وصولاً إلى تحجيم تأثير الناخبين في الاغتراب من خلال حصر اقتراعهم بإختيار 6 نواب يمثلون القارات، ورفض أن ينتخب المغتربون كما فعلوا حصل في انتخابات 2018، للتقليل من تداعيات هذا الاقتراع وسط غضب المنتشرين اللبنانيين مما آلت إليه الاوضاع في لبنان، والتي دفعت بكثير منهم إلى الهجرة.

لكن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وفي ظل الخشية من أن تؤدي هذه الخلافات بالاستحقاق الانتخابي ككل، بدا حاسماً بإجراء الانتخابات النيابية حتى قبل موعدها في أيار/مايو 2022، مقترحاً إجراءها في 27 آذار/مارس بسبب حلول شهر رمضان في نيسان/أبريل المقبل.

وزار الرئيس ميقاتي رئيس مجلس النواب نبيه بري لوضعه في أجواء زيارته الى العاصمة الفرنسية ولقائه الرئيس إيمانويل ماكرون، وتطرّق معه إلى موضوع الجلسات التشريعية المقبلة، ومشاريع القوانين التي سترسلها الحكومة، إضافة إلى اقتراحات القوانين الموجودة في المجلس وهي من ضمن الإصلاحات المطلوبة، وأهمها الكابيتل كونترول والمهل المرتبطة بقانون الانتخاب التي يتوجّب على مجلس النواب النظر بها وبتّها لإجراء الانتخابات في الوقت المطلوب قبل شهر رمضان المبارك.

ولدى سؤاله في عين التينة عن الانتخابات قال ميقاتي “نحن سلطة تنفيذية ومن واجبنا إجراء الانتخابات النيابية في موعدها ووفق القوانين النافذة، لدينا نية صادقة وأكيدة لإجراء الانتخابات النيابية، ولا أعتقد أن هناك أي نية لتأجيل هذه الانتخابات”.

وعما سيحصل في موضوع المقاعد الستة المخصصة للمغتربين بموجب القانون؟ أجاب: “هناك لجنة في مجلس النواب تقوم بالاجتماعات اللازمة، وعندما سيطرح موضوع المهل للبحث في مجلس النواب حتماً سيطرح من بعض الكتل موضوع النواب الستة، وما اذا كان سيتم الإبقاء على هذا البند او إلغاؤه. نحن في السلطة التنفيذية لا رأي لنا في الموضوع، بل الرأي هو لمجلس النواب الذي يشرّع ونحن ننفّذ”.

واستعرت في بيروت الحملات حول تصويت المغتربين، ولوحظ تباين بين القوات اللبنانية المؤيدة بقوة لاقتراع المغتربين لكل النواب وفي كل الدوائر، مقابل تحفّظ نواب التيار الوطني الحر وتمسّكهم بما ورد في قانون الانتخاب لجهة حصر انتخاب المغتربين بستة نواب يمثّلون القارات ويتوزّعون مناصفة بين 3 للمسيحيين و3 للمسلمين. وبدا أن حزب الله وحركة أمل و”تيار المردة” هم أقرب إلى وجهة نظر التيار العوني، لا بل يطرحون تكافؤ الفرص في الانتخابات في ظل تصنيف حزب الله إرهابياً في بعض الدول وعدم تمكّن مؤيديه من التصويت لنوابه بحرية في الخارج خشية تعرّضهم لعقوبات. وتبدو حركة أمل وتيار المردة متفهّمين لهذا الواقع، ومن هنا الخوف من تطيير انتخاب المغتربين على الأقل أو تطيير كل الانتخابات على الأكثر حفاظاً على التوازنات الراهنة.

واستباقاً لأي محاولة لمنع مشاركة المغتربين في العملية الانتخابية، زار وفد من تكتل “الجمهورية القوية” وزير الداخلية بسام مولوي للتأكيد على رفض “التكتل” مسألة منع المغتربين من حق الاقتراع. وضمّ الوفد النواب جورج عقيص، زياد الحواط، فادي سعد وانطوان حبشي. وأكد عقيص بعد اللقاء “الحرص على إجراء الانتخابات في موعدها”، مشيرا إلى “أن الوفد استوضح من المولوي ما يحكى في الكواليس الإعلامية والسياسية حول إمكانية التعرض لحق المغتربين اللبنانيين بالمشاركة في العملية الانتخابية”. ونقل “استنكار “القوات اللبنانية” و”الجمهورية القوية” لأي محاولة من هذا النوع، لأن حق المغترب بالمشاركة في الانتخابات مكرّس في الدستور الذي ينص على مساواة اللبنانيين امام القانون كما انه محمي بقانون الانتخاب رقم 44/2017 وقد مارسه عام 2018″.

ورأى عقيص “أن اقتراع المغتربين حصل في الانتخابات الماضية بشكل ديمقراطي وحضاري، رغم بعض الشوائب التي سجلت، خصوصاً أنها كانت المرة الأولى التي يمارس المغتربون حقهم”، مشدداً على أنه “بات حقاً مكتسباً لهم ولا يمكن للسلطة السياسية، لا التنفيذية ولا التشريعية، الحد من هذا الحق وفق الآلية التي اعتمدت سابقاً”. وأضاف “جميعنا ندرك دور المغتربين ومساهمتهم في إنعاش الاقتصاد اللبناني عبر الأموال المرسلة الى ذويهم والتي تعد المتنفّس للبلد، ولذلك من غير الطبيعي مطالبتهم بالمساهمة بإنعاش الاقتصاد مقابل منعهم من ممارسة حقهم”. وأوضح أنه “لمس لدى الوزير المولوي حرصاً متطابقاً تماماً لحرص “التكتل” في المحافظة على حق المغتربين، وقد نقل للوفد اجواء مختلف القوى السياسية التي التقاها والتي تشارك هذا الحرص ايضاً لتمكينهم من الانتخاب وفقاً للطريقة التي اعتمدت عام 2018 أي من دون انتخاب النواب الستة على القارات اذ سيؤدي الى اشكالية كبيرة”.

وفي خطوة تؤشّر إلى جدية في تمكين المغتربين من الاقتراع، حدّد وزير الخارجية عبد الله بو حبيب في تعميم إلى البعثات الدبلوماسية اللبنانية في الخارج موعد تسجيل اللبنانيين غير المقيمين على الاراضي اللبنانية للاقتراع بدءاً من الاول من شهر تشرين الاول/أكتوبر المقبل ولغاية 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

يبقى أن مشاركة المغتربين في كل العملية الانتخابية تفترض تعديلاً في مجلس النواب لقانون الانتخاب يقضي بتعليق مفعول المادة 112 المتعلقة بتخصيص 6 مقاعد للمغتربين. لكن كثيرين يتخوّفون من أن يفتح هذا التعديل الباب امام المطالبة بتعديلات جوهرية وحصول توترات سياسية تؤسس لتطيير الانتخابات.