ما تزال أصداء الخطاب/المُهلة التي منحها رئيس السلطة محمود عباس في كلمته المُسجلة أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة في دورتها الـ«76».. تثير المزيد من ردود الأفعال والتصريحات التي في معظمها إمّا مُندّدة كما هي حال الفصائل الفلسطينية المعارضة، أو مُستهتِرة على الطريقة الصهيونية الاستعلائية المعروفة، سواء في ما خصّ تصريحات وزراء الائتلاف الحكومي/العنصري/الاستعماري/الاستيطاني في دولة العدوّ، ما يمنح المزيد من الفرص لتأمّل الفصل الجديد الذي أسس له عباس في شأن الخُطوة التي سيُقدِم عليها بعد عام من الآن، في حال ?م «تسارع» إسرائيل إلى الانسحاب إلى خطوط الرابع من حزيران 1967..أم لجهة تغطية وتعليقات وسائل الإعلام الصهيونية عليه.

وبصرف النظر عن تلميح عباس إلى أنّ امتناع أو رفض إسرائيل المُهلة التي يتوّجب على حكومة تل أبيب اهتبالها, قبل ذهابه إلى محكمة العدل الدولية لتُقرّر ما إذا كان احتلال إسرائيل لما تبقّى من الأراضي الفلسطينية/حزيران 67، وإشارته إلى عودة فلسطينية مُحتملة للمطالبة بقرار التقسيم في العام 1947..

فإن من المفيد التوقف عند ردود الفعل الصهيونية التي تكاد تقترب من حدود الازدراء للرجل وتهديداته، ليس فقط لعلم إسرائيل أنّ ما كرّسته من حقائق ميدانية/استيطانية/وجغرافية استندت إلى خطة مُتكاملة من التهويد والأسرلة والعزل المنهجي للتجمعات السكانية الفلسطينية، المخترَقة أيضاً استيطانياً عبر الطرق الالتفافية, لن يمنح الطرف الفلسطيني، أياً كان ساكن المقاطعة الذي سيخلف عباس، إمكانيةَ تغييره أو المسّ به ما دام سيتبنّى النهج ذاته الذي سار عليه «نظام أوسلو» منذ 13 أيلول 1993, خاصة بعد تسلّم عباس مهماته خلفاً لياسر عر?ات منذ ستة عشر عاماً لم تجرِ خلالها أيّ انتخابات رئاسية غير تلك التي «فاز» بها عباس في 15/1/2005.

وإذ لم يتردّد الليكودي/الفاشيّ جلعاد أردان مندوب الكيان في الأمم المتّحدة في القول:«إنّ زمن عبّاس قد ولّى»، فإنّ ردّ فعل وزير الحرب الملطّخة يداه بدماء المئات من الفلسطينيين العزّل بيني غانتس (اجتمع مع عباس في المقاطعة قبل فترة، ما أثار ردود أفعال يمينية مندّدة حتّى من داخل الائتلاف الحاكم) تعكس ضمن أمور أخرى أنّ إسرائيل غير معنية بـ«الموعد» الذي حدّده عباس لانسحابها, تحت طائلة اللجوء إلى محاكم وهيئات دولية طالما أصدر معظمها «قرارات/توصيات» احتفى الفلسطينيّون بها, بل ذهبوا بعيداً في تصويرها وكأنّها خطوات ج?هرية على طريق التحرير والعودة، ما لبثت أن أضيفت إلى أرشيف القضية الفلسطينية المتراكم ومنها «رأي» وليس قرار محكمة العدل الدولية, التي هدّد عباس باللجوء إليها في شأن «جدار الفصل» العنصري في 9 أيلول 2004..

قال غانتس ساخراً عن المهلة التي أعطاها عباس لتل أبيب للانسحاب: إنّ عباس تسلّق شجرة يصعب النزول عنها، وإن كان قال أيضاً في التصريح ذاته لقناة «13» الإسرائيلية الخاصة، أنّ «استمرار عباس في الدعوة إلى حلّ سياسي أمر جيّد»،.. لكن سخريته من «الإنذار» الفلسطيني كانت لاذعة ومهينة.وإذا ما أضفنا إلى ذلك كلّه تجاهل نفتالي بينيت لإنذار عباس في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة أمس...يتوفّر على مغزى سياسي كبير، حيث رأى فيه وكأنّه لم يكُن.

دعك هنا مما حفلت به وسائل الإعلام الصهيونية من حملات قاسية ونقد لاذع لشخص رئيس السلطة، وإشارتها إلى فقدانه «الشرعية»، خاصة افتقاره للأدوات والإمكانات والدعم الدولي الذي يسمح له بتنفيذ إنذاره، كذلك خصوصاً في «استعانتها» بحملة الردح التي شنّتها حركة حماس على عباس، دون أن تُقدّم الحركة المُنافسة والسّاعية ليس فقط لإطاحة عباس، بل السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية لشعورها بفائض قوّة وربما فائض شعبية, خاصّة بعد حرب الـ«11» يوماً/سيف القدس..لم تقدّم بديلاً أو خطاباً سياسياً مُقنعاً، بل ذهب النّاطقون باسمها كما?رهط مؤيّديها الى شيطنة الرجل والمسّ به شخصياً، وهو أمر مرفوض.

تنويه

ورد في مقالة أمس خطأ مطبعيّ، من كلمة «واحدة» فقط.. قلبتْ المعنى الذي أراده الفيلسوف والمفكّر الإسلامي أبو يعرب المرزوقي الذي اقتبسنا عنه, وهي كلمة «جنيساً» والتي معناها الإجرائي/اللغوي هو: «شبيهاً» أو «على شاكِلة». حيث جاءت كخطأ مطبعي في المقال «جنسياً».. فاقتضى التنويه.

تالياً النّص المُقتبَس حرفياً:

((ثمّة تفسير آخر للاستقالة تبنّاه المفكر والفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي, القريب جداً من حركة النهضة في مقالة نشرها في يومية العربي الجديد 25/9 تحت عنوان: استقالة المائة.. لصالح مَن؟ جاء فيها:«ها هُم (يقصِد مَن استقالوا).. يتحرّكون مع انقلاب الدُمية (المقصود قيس سعيّد) ولصالحه, بإضعاف الحركة (الوحيدة) التي يمكن أن (تَصيح) به جماهيرياً إذا توحّدت.. لكأنهم –يُضيف- يريدون مصير الغنوشي على الأقل بالإهانة (جَنيساً) لمصير بورقيبة»)).

فـَ«تأمّلوا».

kharroub@jpf.com.jo