نترحم على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فهو من مجموعة رجالات الثورة الجزائرية المناضلة، التي نجحت في كنس الاستعمار الفرنسي وتحقيق استقلال البلاد.. بثمنٍ لا يضاهيه ثمن، دفعته الجزائر من دم مليون ونصف المليون من أبنائها، فالجزائر وثورتها وإرادتها نحو الانعتاق والاستقلال، سوف تبقى علامة بارزة تستهدي بها الشعوب الطامحة للحرية..

(1)

وبالعودة إلى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، أتذكر ونحن في سن الشباب المبكر، شخصية هذا الشاب صاحب الوجه الصبوح، بملامحه العربية وشعره المنساب، كوزير للشباب وبعدها كوزير للخارجية، يقف على ناصية منطق يعكس روح الجزائر الحرة، يتحدث بعربية سليمة ويقدم الجزائر بخطاب عروبي واضح، وبالتزام مبدئي بقضايا الأمة وعلى رأسها قضية العرب الأولى.. فلسطين.

وبوتفليقة كان على الدوام إلى جانب الراحل الكبير المرحوم الرئيس هواري بومدين، حيث كنا نرقب بأمل تجربة الجزائر، التي تصنع التقدم في شتى نواحي الحياة، وتتحول بقوة وبسرعة، تنبئ بأن الجزائر سوف تغادر في مطلع الألفية الثالثة، مربع دول العالم الثالث. وتصبح دولة حديثة على كل المستويات ووفق كل المعايير.

كما نذكر بتقدير عالٍ وقفة الجزائر العروبية الصادقة الدائمة، بقوة إلى جانب دول المواجهة إبان حرب 67 وحرب 73، حتى أن الرئيس بومدين وعبد العزيز بوتفليقه، حملا المال «نقداً» إلى موسكو، من أجل تزويد مصر بكل السلاح الذي تريده. إضافة إلى الدعم غير المحدود للشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل الحرية.

(2)

إن سوء حظ الجزائر، بأن رحل هواري بومدين مبكراً.. وبرحيله بدأت الجزائر تتراجع.. وبخاصة بإدارة الدولة، وتفشي الفساد وبمستويات غير مسبوقة..

وكانت تلك مقدمة، أدخلت الجزائر بعقد التسعينات من القرن الماضي بمرحلة من الإرهاب غير المسبوق، هدد الدولة الجزائرية بالتحلل والانهيار.

الأمر الذي توجب عودة بوتفليقة إلى صدارة المشهد كمطلب وطني، يعيد للجزائر أمنها وسلمها الأهلي، عبر برنامجه بالوئام والسلم والمصالحة الوطنية. وهذا ما تم، حيث خيم التعافي والسلام على الجزائر في ظل رئاسة بوتفليقة، وتم استئناف مسيرة الحياة في هذا البلد العربي الغالي على نحوٍ أفضل.

(3)

كنت رافقتُ سمو الأمير الحسن عبر وفد منتدى الفكر العربي إلى الجزائر، بدعوة من الرئيس بوتفليقة «عضو المنتدى» حيث استمعنا إلى فكر الرئيس وبرامجه لإعادة النهوض بالوطن واستئناف مسيرة البناء.. وهو ما أثلج صدورنا، ورفع منسوب التفاؤل بأن الجزائر سائرة نحو إعادة الوصل مع حقبة بومدين، وما تحمل من معانٍ وطنية وعروبية.

وعلى العشاء الذي أقامه الرئيس بوتفليقة على شرف سمو الأمير الحسن، استمعنا إلى رجال ونساء، قادة في الحكومة وجبهة التحرير، الذين أشادوا بالإنجاز الجزائري ودور الرئيس بذلك، وبرامجه، للتخلص من التبعات الكارثية التي أحدثتها حقبة الحرب ضد الإرهاب، التي استمرت عشر سنوات عجاف، تركت مآسي كارثية انعكست على الشعب الجزائري بكل مناطقه وفئاته..

(4)

إلا أن الرياح لا تأتي دائماً كما تشتهي السفن، فقد وقَعَ الرئيس عام 2013 أسير المرض الشديد، وبالتالي الغياب الفعلي عن ممارسة صلاحياته في إدارة البلاد. فكان أن وقع الرئيس ووقعت الجزائر معه تحت سلطة «بطانة السوء» التي عاثت بالبلاد فساداً وبأبشع الصور، مستغلة غياب الرئيس الفعلي فارتكبت أسوأ الأعمال.. وكلها تصدر باسم الرئيس هذا دون أن يعلم!!، فأساءت لبوتفليقة ولتاريخه الوطني. فتراكمت الأخطاء وتراجعت البلاد على المستويين الاقتصادي والاجتماعي بل والثقافي، مما أدى إلى الثورة.

حيث نجح الجزائريون وبعون من الجيش الوطني، فأطاحوا بحقبة «بطانة السوء»، ولكن ذلك كان على حساب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتاريخه المشرف.

وبعد.. فإن في ذلك درس بليغ للدور البشع «لبطانة السوء»، لكل زعيم وقائد، بأن لا يسمح لمن حوله أن يعيثوا بالأرض الفساد، وأن يزينوا الفواحش أمامه لتبدو وكأنها إنجازات؟

وأني هنا أتذكر عمق وأهمية دعاء الأئمة منذ أيام العرب الأولى، حين يدعون للخليفة أو القائد «بالبطانة الصالحة».

رحمة الله على الرئيس عبد العزيز بوتفليقه وعوض العرب والجزائر بأمثاله. ولنا بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كل الثقة بأن يصحح المسار ويعيد الجزائر إلى ألقها المنتظر.

«والله ومصلحة العروبة من وراء القصد».