عمّان - غدير السعدي

ضرورة تحسين شروط العمل وبيئته للمرأة



أجمع خبراء ومختصون على أن التمكين الاقتصادي للمرأة يشهد ركوداً، وعدم استثمار طاقاتها وتعليمها المتقدم في الوظائف وسوق العمل.

بالإضافة إلى تعدد مسؤوليات المرأة، وتدني الأجور ووجود العديد من العقبات التي تحد من مشاركة المرأة الاقتصادية، وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة لدى الإناث.

وبيّن المجلس الأعلى للسكان أن معدل المشاركة الاقتصادية للنساء في الأردن بلغ 14%، وفق نتائج الجولة الأولى من مسح القوى العاملة لعام 2020 الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة، في حين بلغ هذا المعدل للرجال 8ر54%، وهي عند هذا المعدل منذ نحو 3 عقود.

وقال المجلس، في بيان صحفي، إنه على الرغم من أن النساء يشكلنّ نصف المجتمع تقريبأ، إلا أن المعطيات الناتجة عن الدراسات الوطنية تشير إلى ضعف مشاركتها في سوق العمل الاردني مقارنة بالذكور.

البغدادي: تدني نسبة المشاركة الاقتصادية

وتؤكد رئيسة ملتقى سيدات الأعمال والمهن الأردني الدكتورة ريم البغدادي أن مسيرة التقدم في المشاركة الاقتصادية للمرأة الأردنية شهدت ركوداً نسبياً على مدى العقد الماضي، كما تشير جميع التقارير والدراسات إلى تدني نسبة المشاركة الاقتصادية للنساء في الأردن حيث أن النسبة الأكبر من معدلات البطالة تكون للنساء.

ولاحظت أن هذه المؤشرات «لا تتناسب مع المؤهلات العلمية للمرأة الأردنية التي تعتبر عالية نسبياً، إلا أن انعكاسها على سوق العمل ضئيل». وتعزو هذا الركود إلى «تراجع النمو والاستثمارات الاقتصادية بعامة ما ينعكس سلباً على عمل المرأة».

وترى البغدادي أن بيئة الأعمال في الأردن «غير صديقة للمرأة"؛ مما يضطر العديد منهن إلى «الانسحاب المبكر» من سوق العمل «لعدم تمكنهن من التوفيق بين الوظيفة ومسؤولياتهن وواجباتهن العائلية، وعدم المساواة في الرواتب وضعف الفرصة في الترقي لصالح الرجل يؤدي لضعف مشاركتها وعزوفها عن العمل».

وتنبه إلى أن تدني المشاركة الاقتصادية للمراة يشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الأردني بحيث يتم حرمانه من طاقات اقتصادية كامنة وغير مستغلة وبخاصة إذا أخذنا بالاعتبار التفوق الأكاديمي للإناث في جميع مراحل الدراسة، وبالتالي فإن مردود الاستثمار في تعلم الاناث متدن.

ولا تعتقد البغدادي أنه يسهل تجسير هذه الفجوة الجندرية في سوق العمل، خصوصا وأن معظم السياسات والخطط التي وضعت لزيادة مشاركة المراة الاقتصادية «تفتقر إلى التنفيذ والتطبيق الفعال»، وتؤكد ضرورة العمل على عدة محاور؛ من أهمها تعديل الصورة النمطية لعمل النساء التي تقصر على أعمال تقليدية للمراة يتقبلها المجتمع، وتوسيع الخيارات المهنية للمرأة ورفع الوعي بمختلف فرص العمل التي قد تكون متاحة.

وتشدد على ضرورة تشجيع النساء على اختيار التخصصات التي تتفق مع سوق العمل واحتياجاته وتقديم التدريب المناسب والتوعية والإرشاد الذي يهيئها لسوق العمل، والتركيز حالياً على التخصصات التكنولوجية التي تواكب التطورات العلمية السريعة بحيث يصبح لها دور أكبر في القطاعات الإنتاجية.

وتدعو إلى ضرورة دعم القطاع الخاص وتوفير الحوافز له ليستطيع توفير بنية تحتية للعاملات بكلف معقولة في ظل التراجع الاقتصادي الحالي، وتربط الاتجاهات الجديدة في النظريات الاقتصادية بين مفهوم التمكين والفجوة الجندرية بمشاركة المرأة الاقتصادية.

النمس: الاستراتيجيات لا تستجيب للمتغيرات

الأمينة العامة للجنة الوطنية لشؤون المرأة الدكتورة سلمى النمس تحث على النظر إلى مشاركة المرأة الاقتصادية في ظل التحديات التنموية والاقتصادية الأوسع في الأردن.

وترى أن الاستراتيجيات الوطنية «لم تقدم جهدا ممنهجا يأخذ بالاعتبار واقع المرأة ويستجيب للمتغيرات والمعطيات الإقليمية التي تؤثر على الوضع الاقتصادي، ما ينعكس سلبا على الذكور والإناث، وهذا واضح من خلال أرقام البطالة، ويكون أثره أكثر عميقاً على النساء وبخاصة الفئات المهمشة».

وهي لا تعول كثيرا على تعديل القوانين، وتقول: «لا يكفي، لأننا عملنا على تعديلها ولكنها التعديلات التشريعية لم تفضِ الى مرحلة توفر بيئة داعمة لعمل المرأة وتسهل العمل في القطاعات الأكثر نمواً التي توفر فرص العمل». وبالمقابل «لم تترجم هذه التشريعات لثقافة مؤسسية واتجاهات مجتمعية تعزز دور المرأة الاقتصادي وقدرتها على المشاركة الاقتصادية دون إنهاكها».

ولاحظت النمس أن مشاركة المرأة اقتصادياً «مع زيادة الأعباء جعلها لا تستشعر بفائدة، كما أن البنية التحتية غير كافية في جوانب عديدة مثل المواصلات ورعاية الأطفال والكبار، التي تقع على عاتقها».

كما أن العمل في القطاع الخاص يتطلب العمل لساعات متأخرة، ووظائف تحتاج إلى مناوبة، وهذا يتطلب توفير رعاية لأطفالها وتغيير في الاتجاهات المجتمعية والأدوار النمطية ومساهمة الزوج في دعم الزوجة.

وتؤكد النمس أن المرأة لم تحصل على الاستقلال المالي واستقلالية القرار المالي، وبالتالي «لا تشعر بأن خروجها لسوق العمل يحدث تغييرا حقيقيا نحو بعض الممارسات تجاهها».

وتعتقد أن قضايا المرأة وريادة الأعمال لم تصل إلى الحد الكافي من مفهوم «الشمول المالي» الذي يحقق القدرة على الوصول للموارد المالية دون وضع أعباء على المرأة، وبالتالي «للأسف شاهدنا أن القروض الصغيرة أصبحت عبئا على النساء ولم تحدث نقلة نوعية لملكية الأعمال، وهناك نماذج ناجحة لكن نسبتها ضعيفة».

عوض: شروط العمل بائسة وللمرأة بخاصة

مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، يرى أن معدلات النمو الاقتصادي في الأردن «متواضعة»، كما أن «شروط العمل متواضعة وبخاصة عند النساء».

ووصف تعامل هيكل الاقتصاد الأردني مع عمل المرأة على أنه «من لزوم ما لا يلزم»، باعتبار أن لها معيل، رغم أنها طاقة بشرية يجب دمجها بالاقتصاد.

ويلفت عوض إلى أن ضعف نظام المواصلات يدفعها لجهود إضافية ويضع عقبات أمامها في التنقل من المنزل إلى مكان العمل، إضافة إلى أن هناك «تمييز بالممارسات وبعض السياسات ضد المرأة في مكان العمل».

ويوضح أن المرأة «بقيت مكانها.. لأن كل الجهود المبذولة من الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات المستقلة طورت خطابا مناصرا للمرأة لم ينعكس على عمل المراة على أرض الواقع، فشروط العمل البائسة هي السبب الرئيسي بالاضافة الى المهمات الرعائية المنوطة بالمرأة».

ويقترح عوض أن تبدأ الحلول من «إعادة النظر بشروط العمل بالأردن، لأنها طاردة، وإعادة النظر سياسات الأجور وشروط العمل» لأن «معدلات الأجور متدنية وبخاصة في اعمال السكرتاريا والتعليم الخاص والمهن الصحية المساندة».

وكذلك «تحسين أداء الحكومة في إنفاذ سياسات العمل وتحفيز الاقتصاد في توليد فرص عمل جديدة. وتحسـين شـروط العمـل بعامة وللنساء بخاصــة، لتصبح أكثـر جاذبية لهن، وذلـك على مستوى السياسات والممارسـات.

وكان مركز الفينيق قال في ورقة تقدير موقف بعنوان «تعمق التراجع الاقتصادي للنساء بسبب «جائحة كورونا» أن المؤشـرات الدولية تؤكـد أن الأردن يحتـل مكانة متأخرة في معـدل المشـاركة الاقتصادية، حيـث أشـار البنـك الدولي إلى أن الأردن يقـع فـي المرتبـة 140 مـن أصـل 142 دولة علـى المؤشـر العالمي للمشـاركة الاقتصاديـة للمرأة.

كما أن فـرص العمـل الخاصة بالنسـاء التـي يولدهـا الاقتصـاد الأردني وقبيل جائحة «كورونا» تقــارب ثلــث مجمـل فــرص العمــل التــي يوفرها الاقتصاد، وتشــير بيانات مسـح صادرة عــن دائـرة الاحصاءات العامة لعــام 2019 أن نسـبة فـرص العمـل المسـتحدثة للنساء بلغـت 35.3% مـن مجمـوع الفـرص مقابـل 64.7% للذكور.

وما تزال فجــوة الأجــور تتسع لصالح الذكــور، إذ اشـارت أحـدث أرقـام صادرة عـن دائـرة الاحصـاءات العامـة لعـام 2019 أن متوسط الأجر الشهري للعاملين في القطاعين العام والخاص يبلغ 540 ديناراً للذكور، و484 ديناراً للإناث، وبفجوة في الأجور لصالح الذكور بلغت 56 ديناراً.

ولاحظت الورقة أن العديـد مـن المؤسسات الماليـة تقديم القـروض للنساء تحـت عنـوان تعزيـز مشـاركتهن الاقتصادية لإقامة مشـاريع انتاجية تــدر عليهــن الدخـل، إلا أنه تـم اغراقهـن فـي الديـون وأصبحـن «غارمات».

وما يزال قانـون العمـل يحظـر عمـل النساء فــي بعـض الأنشـطة الاقتصادية وفــي فتـرات المسـاء، ما وضــع المزيــد مــن القيــود أمـام تعزيــز مشـاركتهن الاقتصادية، الأمر الـذي يتطلـب تعديل المادة 69 مـن قانـون العمـل بحيـث تـزال هـذه القيـود وتضمن حمايـات إضافيـة للنسـاء والرجال الذيـن يعملون فــي المهـن والأوقـات الصعبة.

محادين: لا قرار للنساء بشأن دخلهن المادي

وتعزو المحامية إسراء محادين، من مركز قلعة الكرك للاستشارات عدم تقدم المرأة اقتصادياً إلى أن السيدات «غير قادرات على أخذ القرار في دخلهن المادي. وإذا أردنا تعريف التمكين الاقتصادي فإنه «أن يكون للمرأة دخل مالي وتكون قادرة على التحكم الاقتصادي به».

وترى محادين أن «الأرقام لن تتقدم لأن الاقتصاد غير المنظم لا يدخل بالحسابات وكذلك الأعمال المنزلية وهي مساحة كبيرة» وبالتالي ستبقى الأرقام مكانها.

وبينت أن المرأة «تخشى من توثيق عملها خوفاً من الضريبة، كما أنه يوجد أعمال تقوم بها المرأة غير مدفوعة الأجر مثل رعاية الأطفال فتحضر بديلا لها"؛ فالاقتصاد المنظم لن يتقدم لأن عمل المرأة يختلف على أرض الواقع.