عند استحداث طريق جديد، تتغير المسارات والإتجاهات ونقاط التوقف، وقد يرافق ذلك اختلاف جذريّ في طبيعة الطريق وسرعاتها.

وما تجريه اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية أشبه بتشييد جسر يضمن عبور الجموع–المتوقفة–نحو المرحلة الجديدة التحديثية بقوة القانون وبمساعدته مع تخليصها من المعيقات أسفل الجسر.

فالانتخاب يسير على ذات الأسس وإن تعددت قوانين الانتخاب وتبدّلت، والمجالس النيابية غادرت مربعات الثقة والرضى منذ زمن لأسباب هي بريئة من معظمها نظراً للأسس المعروفة في الإختيار وحتى طبيعة العمل البرلماني، والأحزاب في حالة أقرب للخمول نتيجة سيرة تاريخية حسّاسة، وكذلك نتيجة ضعف في المحاكاة الواقعية للبرامج ممّا أدّى بالمحصلة لعزوف المواطن عنها للسببين الرئيسيين أعلاه.

وحتى يتغير واقع الحال، نكون أمام مفترق طرق، يستدعي الاختيار بين مسارين؛ الأول قائم على العمل من الصفر لصنع جيل يؤمن بالعمل الجماعي. والآخر عكسي يضع الأحزاب في ساحة الاختبار لتقنع المواطن بأهليتها وبرامجيتها وبالتالي استحقاقها لصوته الذي يحملها لقبة البرلمان.

وقد اتبعت اللجنة المسار السريع الثاني كخيار في مشاريع القوانين، وأبقت على الخيار الأول كمسار استراتيجي تُبنى قواعده في المدارس من حيث التثقيف السياسي ثمّ مرحلة انتقاء البرنامج الأكثر مناسبة بعد بلوغ سنّ الرشد القانونية.

فبين الوضع الراهن الذي لم يوصلنا إلى حيث نريد، والوضع المستجد الذي يرجى منه الوصول إلى مختبرات التغيير الحقيقية يكون الإختيار، ولكل خيار منها تبعات.

من نافلة القول التذكير بأن التسكين لا يصنع الفارق، وإن صنع الفارق إذ يستدعي تغييراً فيما قد يُعدُّ من المكتسبات الخاصة، ولعلّ بعض تلك المكتسبات هي العائق أمام تحقيق المصلحة العامة التي تعود بالنفع على الوطن بشرائحه كافة. ولا بد لأي تغيير من ضريبة وثمن، وترجَح كفّة الميزان للعامّ على حساب الخاصّ سواء تعلق بفرد أو جماعة، فالجزء يتبع الكُلّ، وما يعود بالخير على الأكثر يضمن ذلك للأقلّ والعكس غير صحيح.

نحن الآن أمام استحقاق تاريخي سيحدد مصير حياتنا السياسية لمئوية ثانية، مصيرٌ سترتبط به معيشة أجيال قائمة وأُخرى قادمة، وهذا ما يستدعي الانفتاح على ما يحفظ لتلك الأجيال نصيبها في إحداث التغيير، فهذا حقٌّ لها وواجب علينا.

وحتى يُكتب لنا النجاح، يتوجب علينا جميعاً صعود الجسر والعبور نحو المستقبل بأدوات وروح وقناعات جديدة أكثر فعالية وجرأة.

والله من وراء القصد