قصة - فخري أبوشليب

.. الدكتور رؤوف عثمان، الساكن الشقة المقابلة لشقتي أعزب وحيد جاوز الستين. نال درجة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة لندن، ونادراً ما يزوره أحد من اقاربه، ثم ينصرف بعد وقت قصير.

مضى على جيرتي له أكثر من عام لم يكن بيننا فيه سوى تحية الصباح أو المساء، يؤديها بإيمائة خفيفة إذا التقينا عند الدرج أو في المصعد الذي يسع أربعة أشخاص، يبدو بينهم - لطول قامته وصمته ونظارته الداكنة - كأنه في المصعد وحده.

دفعني الفضول فسألت عنه بواب العمارة، فهو الوحيد الذي يتردد علىه بانتظام ليقضي له طلباً أو يحمل عنه شيئاً.

قال عنه ما سمعه من الآخرين إنه منذ أن عاد من انجلترا يكاد لا يعرف شيئاً عن مجريات الحياة العملية في مصر، لكنه دقيق في حساباته، ولا يفعل سوي الذهاب إلى محاضرته الأسبوعية ثم العودة إلى البيت.

قال عنه واحد ممن سبقوني إلى سكني العمارة إنه «براوي»، وقال آخر إنه غريب الأطوار، وقال ثالث إن له خصوصية، وهي ميزة ليتها تتوفر لبقية السكان.

هو كائن ليلي، يقضي الليل ساهراً وينام بالنهار، عدا يوم الأحد الذي يذهب فيه إلى محاضرته الأسبوعية في الصباح. وبالليل نسمع أحياناً موسيقا هادئة تنبعث من شقته، أعتقد أنها لشوبان أو موتسارت.

بدأت معرفتي به عن قرب بعدما أرسل لي بوكيهاً من الورد عندما عرف أنه أجريت لي جراحة في مستشفى هليوبوليس، وبعد أن شفيت أردت أن أشكره، فدعاني إلى فنجان من الشاي إذا كان الوقت بين السابعة والسابعة والنصف مساءً يناسبني.

شقته مرتبة ونظيفة، والأثاث كلاسيكي ينم عن ثراء عائلي، وكأن مثال النظام هبط من سماء أفلاطون ليسكنها، وعلى الطاولات الصغيرة منافض سجائر من الكريستال برغم أنه لا يدخن، ولا يسمح لزواره بالتدخين.

أجلسني في حجرة مكتبه التي يسميها «الصومعة» كي لا تطول الزيارة عن نصف الساعة التي حددها. والحجرة مكتظة بالكتب والملفات، بعضها على أرفف في دواليب أنيقة لها ضلف زجاجية، وبعضها الآخر على المكتب وعلى طاولة واطئة بجواره، وعلى المكتب نظارة قراءة وقلم وبعض الأوراق متأهبة للعمل.

أما هو فملابسه تخاصم الموضة، ولا يعترف أن زمن الكرافتات العريضة ولبس ساعة اليد فوق القميص قد ولى، والبدلة تبدو كأنها لم تكوى أو تنظف منذ أن اشتراها. هو في نظر السكان «دقة قديمة».

معظم الحديث كان من جانبه، عن سنوات دراسته للدكتوراه في انجلترا، ذكر أشياء كأنها حدثت بالأمس برغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً علىها. تحدث عن ماكيكو، تلك الفتاة اليابانية الجميلة التي زاملته في جامعة لندن.

قال إنها كانت تمشي ورائه بخطوتين على استحياء، عاقدة ذراعيها على صدرها عندما كانت تصحبه في نزهة أو مشوار. تقول له: «أنا جاريتك»، فيرد علىها قائلاً: «بل انت مليكتي».

أسهب في وصف رقتها الأنثوية وبشاشتها ودقة وتناسق تكوينها، وتعلقها به إلى حد الولع، وكانت تعد له أطباق بلدها الشهيرة من السوشي والسوكياكي، في طقوس يايانية وهي ترتدي الكيمونو.

لم أصدق ما حكاه، فالعجائز كثيراً ما يخلطون الحقيقة بالخيال، ويدعون وسامة وجاذبية كانت لهم في شبابهم، وبلغت ذروتها عند منتصف العمر، ثم غادرتهم بفعل الزمن، غير أن حكاياته لم تخل من طرافة وتشويق. تعددت زياراتي للدكتور رؤوف على فترات متباعدة ولم يبادلني الزيارة ولو مرة واحدة. ومازال يحييني بإيمائة خفيفة عندما نلتقي في المصعد. وفي الزيارة الثانية حدثني عن ماكيكو مجدداً. بعدها كنت أفتح له باب الحديث عنها كي أوفر علىه إيجاد سبب للتكرار.

لا أكاد أذكر شيئاً عن اليابان حتى تنبجس حكاية ماكيكو. ذكرت هجوم اليابان على بيرل هاربور فلم يذكر شيئاً عن مأساة هيروشيما وناجازاكي، بل قال: مسكينة ماكيكو، مات أقاربها في الحرب العالمية الثانية. وعندما علقت بأن الكلمات اليابانية تتكون من حرف ساكن يليه حرف متحرك....، وهكذا.... قال إنها حاولت أن تعلمه لغتها فلم يتعلم سوى كلمة واحدة هي «سايونارا» وتعني «وداعاً».

أراني صوره في شارع أكسفورد وعند مبني البرلمان وساعة بج بن، وعند نهر التيمز، وفي متحف مدام توسو.... بعضها يظهر فيها وحده، والبعض الآخر مع بعض الآسيويين وفتاة انجليزية.... ويرتدي معطفاً كالذي يرتديه الآن في الشتاء، وقبعة لم يعد يرتديها برغم انحسار شعره الخفيف إلى منتصف رأسه.

شعرت أنه يتجنب الإفصاح عن أشياء بداخله عندما ردد مثلاً إنجليزياً مؤداه أن الألفة الزائدة تؤدي إلى عدم الاحترام. قالها وكأنه يحذرني من توجيه الأسئلة.

ام أسل بالطبع عن سبب عدم زواجه من ماكيكو، فمن العبث أن تسأل مثل هذه الأسئلة عندما يحكي لك أحد عن قصة حب قديمة، فلن تظفر إلا بالصمت أو بإجابة مراوغة، فضفاضة ومبهمة، ولا داعي للإحراج على أية حال.

لكنه قال ذات مرة بما يشبه الاعتراف إن كل همه كان الفوز بدرجة الدكتوراة، لذا لم يكن مستعداً لعلاقة نسائية كاملة تشغله عن دراسته، وإن حبه لماكيكو كان حباً أفلاطونياً خالصاً.

خالجني إحساس بأن ماكيكو لم يكن لها وجود إلا في خياله، لكني لم أمل من سماع حكاياته عنها .