ألقى جلالة الملك عبدالله الثاني كلمة أمام الهيئة العمومية للأمم المتحدة، جاءت جزءاً من نهج واضح في التعامل مع السياسة الدوليّة، وهو النهج الذي أسسه جلالته منذ بدء جائحة كورونا والتي تم وضع إطارها النظري بمقالة لجلالته حول الأسس العادلة لإعادة ضبط العولمة.

جلالته امتلك خطاباً متماسكاً وفق هذا النهج الذي جاء كإجابة على التحديات التي يواجهها العالم اليوم، حيث تبدو أية دولة، دون استثناء، غير قادرة على مواجهتها، وهو ما يتطلب إعادة خلق منظومة يتم من خلالها تنسيق الجهود الدولية وإيجاد حلول حقيقية توافقية ومشتركة.

فقضايا الإرهاب والتطرف واللاجئين والتغير المناخي وغيرها من التحديات تبدو أكبر من قدرة اية دولة، وبالتالي فإن الاعتراف بعدم قدرة أية دولة على امتلاك حلول ناجزة لهذه التحديات يجعلنا ندرك أهمية بناء منظومة فكرية وعملية تساعد على إنقاذ البشرية، وهو ما يعني إعادة بناء خطاب عالمي تشاركي.

ولا تبدو رؤية جلالة الملك تقتصر على القضايا العالمية بل هو نهج متماسك يتبناه جلالته حتى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث يرى أن الجلوس إلى طاولة مفاوضات بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين بهدف الوصول إلى نتائج ملموسة فيما يتعلق بحل الدولتين هو أمر حتمي لإحلال السلام في المنطقة والعالم.

ولأن جلالته يدرك أهمية القدس الشريف ومركزيته في المسألة الفلسطينية فإنه يقدم تصوراً مستنداً إلى منظومة أنسنة السياسة، وذلك من خلال تأكيد أنه من الضروري أن تجمع القدس الشريف بين المسلمين والمسيحيين واليهود، ولا يمكن لذلك أن يتحقق دون وجود جهد دولي يساعد القدس الشريف على أن تكون رمزا للوحدة وليس للفرقة.

استطاع عبدالله الثاني، في ظل عالم مضطرب ويتخبط، أن يبقى محافظاً على بصيرة نقية وإنسانية تقوده للاتجاه الصحيح رغم كل ما يمتلئ به العالم من مشاعر وخطابات الكراهية، وأن يتجاوز الخطاب المحصور بدولته ليؤسس لخطاب عالي الأفق وإنساني التوجه.

من السهل السير متزناً على أرض مستوية، ولكن ليس من السهل السير متزناً على حبل رفيع في محيط ملتهب، ولكن عبدالله الثاني سار على هذا الحبل الرفيع في محيط ملتهب وكأنه يسير على أرض مستوية، وهو ما يظهر جوهر عبدالله الثاني الذي لا يخفيه علو صوت الخوارج، أو نار تندلع بالقرب منه، أو الصراعات العالمية الباردة أو الساخنة على حد سواء.

خطاب الملك يوجد مجالاً حيوياً جديداً للأردن، بعيداً عن فكرة الترابط الحدودي والمناطقي، وهو يخلق حالة جديدة ضمن مفهوم المجال الحيوي، حيث يمكن إيجاد تحالفات دولية تقوم على قواسم مشتركة إنسانياً وسياسياً لتصبح الدول المكونة لهذه التحالفات مجالاً حيوياً جديداً للأردن.

وما يميز هذه الحالة (صناعة المجال الحيوي)، أنها تبني هذا المجال ليس على أساس الاضطرار الجغرافي، بل يمكن بناؤه على أساس القيم والمصالح المشتركة، وهو ما يعطي هذا المجال الحيوي طابعاً مختلفاً، من مميزاته أنه مستقر وأكثر ثباتاً من المجال الحيوي الجغرافي.

رؤية جلالته للعالم في المستقبل وكيفية التعامل مع التحديات الدولية عبر التعاون وليس الاختصام قد تكون مجرد فكرة اليوم ولكنها ستكون ضرورة في المستقبل القريب، لنصنع مستقبلاً أجمل للبشرية، كما يراه عبدالله الثاني.