ندرك جميعاً ما تواجهه الاحزاب السياسية من تحديات عديدة شكلت عقبات كبيرة في طريق تمكينها وفرض نفسها كفاعل مهم في المشهد السياسي، خصوصاً حضورها الضعيف في الحياة البرلمانية، والتي تمثل جوهر التحول الديمقراطي والتحديث السياسي المنشود.

كل هذه المعيقات التي واجهت الاحزاب كانت الاساس وراء عدم إيجاد بيئة حاضنة للعمل الحزبي، تمثلت بأبعاد عدة منها العزوف عن الانتساب للاحزاب؛ لعدم قناعة الكثيرين بجدواها وفاعليتها وندرة تأثيرها في الحياة السياسية، وأخرى تتعلق بافتقادها للبرامجية التي تستهدف صعد الحياة كافة.

الحقيقة ان كل الاطراف ذات العلاقة بالاحزاب لها ظروفها ومبرراتها لما آل اليه حال الحياة الحزبية من وهن وضعف، ما أنتج في النهاية أحزاباً–في معظمها–دون أدنى تأثير في الاوساط السياسية والاجتماعية، تسبب في بروز حالة من عدم اليقين بقدرتها على احداث التغيير الإيجابي المنشود.

المستجد في شأن الاحزاب وتمكينها تمثل في تكليف جلالة الملك عبدالله الثاني اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية بوضع تصورات حول القوانين الناظمة للحياة السياسية وأبرزها قانونا الانتخاب والأحزاب، الأمر الذي يعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تمكين الاحزاب سياسياً.

وقبل ذلك كانت الاوراق النقاشية التي طرحها جلالة الملك والتي مثلت نبراساً للوصول الى التحديث السياسي المنشود والذي نتوق له جميعاً، فضلا عن انها كانت مرشداً لعمل اللجنة الملكية بما يتعلق بقوانين الحياة السياسية.

اليوم أعلنت اللجنة مخرجاتها حول الاحزاب ما شكل خارطة طريق لتمكينها عبر تجاوز كافة المعيقات والتحديات التي وقفت دوماً في وجه تقدمها ونجاحها وكان السبب في ما وصلت اليه الحالة الحزبية من ضعف.

المتمعن ببعض التفاصيل التي رشحت عن مسودة مشروع قانون الأحزاب السياسية، يجد أنها تسعى لمأسسة العمل الحزبي البرامجي، عبر تمكينها بمشاركة فاعلة في الانتخاب، وصولاً لتشكيل حكومات برلمانية مستقبلاً، فضلاً عن تسهيل مهمة جميع الفئات للانتساب للأحزاب، وعدم التعرض لهم تحت طائلة المسؤولية وصولاً للتخلص من الفكرة النمطية الخاطئة المتعلقة بـ«فوبيا» الانتساب.

وعلى الصعيد ذاته فإن مسودة قانون الانتخاب والتي خصصت 41 مقعداً للقائمة الحزبية تأتي في سياق التمكين الحقيقي للاحزاب وصولاً لدور محوري ومؤثر في الحياة البرلمانية حتى نصل لتشكيل الحكومات البرلمانية مستقبلاً.

وشكل نقل سجل الأحزاب للهيئة المستقلة للانتخاب، والذي يتطلب تعديلاً على الدستور خطوة بالاتجاه الصحيح لتوفير مناخ حزبي ملائم يسهم في تمكينها.

مسودة القانون التي توصلت لها اللجنة، ركزت على تذليل كافة العقبات التي تواجه تمكين الاحزاب، حيث اتاحت التعديلات عملية الانتساب الالكتروني وشددت على ضرورة تمكين المرأة والشباب مع ضمان اشتراط توزيع الاعضاء المؤسسين على مختلف المحافظات والتعامل بمرونة في ملف تصويب اوضاع الاحزاب ومنحهم سنة لاتمام ذلك.

نتاجات وتصورات اللجنة الملكية بخصوص قانوني الاحزاب والانتخاب تشكل فرصة حقيقية لنا جميعاً للبناء على ما توصلت إليه وتجويد مخرجاتها عند مرورها بمراحلها الدستورية وصولاً لأحزاب حقيقية قادرة على ان تكون اضافة نوعية للحياة السياسية في الاردن وتكون معول بناء للحفاظ على الوطن ومنجزاته ووضع المصلحة العليا للدولة فوق كل اعتبار وصولاً للأردن الأنموذج.