عمان - تالا أيوب



"الإرشاد التربوي والنفسي من أهم الخدمات التي تسعى المدارس لتوفيرها لطلبتها، لما له من أثر في دعم وتنمية قدرات الطلبة، ووقايتهم من الوقوع في المشكلات المختلفة، والحد من تفاقمها، ومعالجتها في حال حدوثها.. وهذه الخدمة الإرشادية تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الظروف التي فرضتها جائحة كورونا على الطلبة وذويهم، وهي جزء هام لا يتجزأ من العملية التربوية والتعليمية، كونها تسهم في تنمية شخصية الطالب من جميع أبعادها". هذا ما يقوله رئيس قسم الإرشاد بوزارة التربية والتعليم بسام الهباهبة. غير أن قراءة سريعة في بيانات وزارة التربية تكشف عن ضعف الاهتمام بتوفير هذه الخدمة، الحساسة والاساسية، في الكثير من مدارسها.

يبلغ عدد المدارس الحكومية في المملكة 3981 مدرسة بحسب مدير إدارة التعليم في وزارة التربية الدكتور سامي محاسيس، تخلو نحو 47.6% منها من المرشدين والمرشدات التربويين أي 1898 مدرسة، بينما يبلغ عدد المرشدين التربويين في المدارس الحكومية، بحسب رئيس قسم الإرشاد بوزارة التربية والتعليم بسام الهباهبة، 2083 مرشدا ومرشدة.

ووفق موقع وزارة التربية والتعليم فإنه يتم تعيين المرشدين التربويين حسب المادة (19) من قانون التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1994 والتي تنص على مايلي:" يشترط في المرشد التربوي أن يكون حاصلا على الدرجة الجامعية الأولى على الأقل في تخصص الإرشاد أو الإرشاد والصحة النفسية أو تخصص علم نفس".

وبالنظر إلى أن تخصص "علم نفس وإرشاد" من التخصصات المشبعة، بحسب موقع ديوان الخدمة المدنية فإنه يمكن الافتراض أن الأعداد المحدودة جدا للمرشدين التربويين المعينين في المدارس لا علاقة لها بقلة عدد الدارسين المختصين.

مرشد واحد لمئات الطلبة

المرشدة التربوية وفاء بني سلامه عملت سابقا في مدرسة ثانوية يبلغ عدد الطالبات فيها نحو 600 طالبة، وهي حاليا تعمل في مدرسة أساسية في لواء الكورة يبلغ عدد طالباتها 200 طالبة.

تواجه بني سلامة ضغط عمل كبير، كبقية زميلاتها وزملائها في القطاع، كونها المرشدة الوحيدة في المدرسة. وتقول إن بعض المشكلات لا يقتصر علاجها على جلسة إرشادية واحدة، وتستدعي جلسات متابعة قد تستمر على مدار السنة الدراسية. وبالتالي عندما تواجه الطالبة مشكلة معينة وتستعين بالمرشدة فإنها تحتاج إلى جهد ووقت.

وتلفت بني سلامه - وهي حاصلة على درجة الماجستير في الإرشاد النفسي - الى أن التعامل مع فئة عمرية دنيا في المدرسة الأساسية التي تعمل فيها حاليا، يتطلب مراعاة خاصة لهذه المرحلة العمرية الحساسة، وانتباها شديدا للتغيرات في السلوك، وجهدا لبناء جسور ود وثقة مع الطالبات، لمساعدتهن على التحدث عن مشاكلهن ومواجهتها. بينما قد تبادر الطالبات في المرحلة الثانوية لطلب مساعدة المرشدة من تلقاء أنفسهن عندما تكون هناك علاقة ثقة تكوّنها المرشدة مع المسترشدة.

في السياق ذاته يشكو مدير مدرسة ابن عباس الثانوية، موسى العبادي، من أنه لا يوجد سوى مرشد تربوي واحد في المدرسة التي يديرها، والتي يبلغ عدد طلابها ٨٧٠ طالب. ويقول: "المرشد حديث التخرج والتعيين، وليس لديه المعرفة الكافية في كيفية التعامل مع الطلبة وأولياء أمورهم، كما أنه يفتقر إلى مهارة تنظيم الوقت والسجلات والتقارير، فضلا عن أن عمره قريب جدا من أعمار الطلبة".

يرى العبادي أنه لا بد لأي مرشد تربوي من "الخضوع إلى تدريب من قبل أصحاب الخبرة، وأخذ دورات عملية على أرض الواقع، لا تلقينية فقط، لأنه صمّام الأمان في المدرسة، وأقرب للطلبة من الإدارة" على حد قوله.

تهميش واضح

"واقع الإرشاد لا يرضي أي تربوي يدرك أهمية وجود المرشد أو المرشدة في المدرسة" هذا ما يقوله رئيس قسم الإرشاد التربوي في مديرية التربية والتعليم - لواء الجامعة، رشاد التخاينة، الذي عمل كمرشد تربوي لفترة امتدت نحو ثمانية عشر عاماً .

يوضح التخاينة:"عدد المرشدين في مدارس وزارة التربية بالنسبة لعدد الطلبة قليل جداً، ما يعني أن عددا كبيرا من الطلبة محرومون من الخدمات الإرشادية. هذا عدا عن أن الكثير من المدارس لا يوجد فيها حتى مرشد تربوي واحد. هناك تهميش لدور المرشد التربوي، فمثلا عندما تشغر إحدى الوظائف في مدرسة ما تكون تعبئة هذا الشاغر في أدنى سلم اهتمامات المسؤول المعني، علماً أن مديري ومديرات المدارس يدركون أهمية هذا الدور ويلحون على طلب التعيين".

ويتابع:"لقد مرت سنوات عديدة بدون أي فرصة للتطوير الوظيفي للمرشد التربوي والاستفادة من رتب المعلمين، وهو أمر تم تداركه حديثاً بعد العديد من المطالبات بهذا الاتجاه. بالإضافة الى أن المرشد التربوي محروم من التقدم لوظيفة مساعد أو مدير مدرسة، ما يعني أن المرشد في الغالب يبدأ خدمته وينهيها في نفس الوظيفة وهذا من شأنه تقليل فرص التميز والابداع، لولا وجود جائزة المرشد التربوي المتميز التي كان لها بعض الأثر الجيد في هذا المجال".

يؤكد التخاينة أن التهميش لا يقتصر على دور المرشدين التربويين في المدارس بل يمتد ليشمل أقسام الإرشاد في المديريات "التي تعاني نقصا حادا في عدد موظفيها" يقول:"قد نجد في كثير من الأحيان رئيس قسم فقط، ومطلوب منه القيام بالكثير من الأعمال الإدارية والإشرافية، وكتابة التقارير، ومتابعة البرامج المطبقة ...الخ. ".

مطلوب وحدات للدعم النفسي

من جهة أخرى يدعو مدير شؤون الأسرة في المجلس الوطني لشؤون الأسرة، حكم مطالقة إلى "تدعيم المدارس بوحدات دعم نفسي اجتماعي، إذ أن المرشدين الموجودين داخل المدارس تربويين، والأصل أن يكون في كل مدرسة مرشد اجتماعي ونفسي، وأن يكون عدد العاملين في وحدة الدعم النفسي الاجتماعي من الأخصائيين متناسبا وعدد الطلبة داخل كل مدرسة، وأن تكون رؤيتها ورسالتها واضحة ولديها برامجها الداعمة، لتقدم الدعم النفسي الاجتماعي وتحل مشاكل الطلبة داخل مدارسهم".

يقول مطالقة: "تم تنفيذ مشروع تطوير إجراءات وزارة التربية والتعليم في التعامل مع حالات العنف الأسري والمدرسي خلال الأعوام 2019 و2020، كَوْن الوزارة أكبر جهة حاضنة للأطفال وهم الفئة الأكثر تعرّضا للعنف بأشكاله المختلفة.وبحسب قانون الحماية من العنف الأسري فإن أحد أدوار مقدمي الخدمات التربوية والاجتماعية والصحية والنفسية في القطاعين العام والخاص تبليغ الجهات المعنية عند اكتشاف حالات عنف ضد الأطفال. لكن وفقا للإحصائيات الصادرة عن إدارة حماية الأسرة هناك ضعف في التبليغ من قبل مقدمي الخدمات بشكل رسمي، وخاصة من قبل مقدمي الخدمات التربوية المحوّلة إلى إدارة حماية الأسرة".

ويضيف مطالقة أنه "في كثير من الأحيان يتم النظر إلى دور المرشد التربوي كإداري داخل المدرسة، ولا يفعّل دوره كمرشد تربوي. ولا يحدد له دور واضح في عملية الدعم النفسي الاجتماعي. وفي ظل الظروف الحالية، ومع غياب التعليم الوجاهي، صارت الحاجة أكبر لدور فاعل للمرشدين التربويين، وعلى وزارة التربية والتعليم أن تكثف برامجها للدعم النفسي والاجتماعي لكافة الطلبة في المدارس".

برامج تطويرية

يؤكد رئيس قسم الإرشاد بوزارة التربية الهباهبة على الحاجة إلى تعزيز عدد المرشدين التربويين، ليتناسب وعدد الطلبة في المدرسة الواحدة. لكن عندما طرحنا السؤال حول المدارس التي تخلو من مرشدين تربويين و أسباب عدم التعيين فيها، امتنعت الوزارة عن الإجابة.

من جهة أخرى يبين الهباهبة أن مديرية الإرشاد والتوجيه في الوزارة تعمل بشكل دائم ومستمر على إعداد البرامج التطويرية والتدريبية في العمل الإرشادي، بالتعاون مع إدارة الإشراف والتدريب التربوي، والمؤسسات التربوية، والمانحين، لتطوير نوعية البرامج الإرشادية بما يلبي الحاجات التدريبية للمرشدين التربويين، وحاجات الطلبة وفق مراحلهم النمائية.

ولفت إلى أن الوزارة تعمل حاليا من خلال إدارة التعليم / مديرية الارشاد والتوجيه على تنفيذ خطة وحملة انطلقت في آب/أغسطس من هذا العام، وهي جزء من استعداد الوزارة لعودة التعليم الوجاهي، حيث سيتم تدريب جميع المرشدين التربويين على دليل الدعم النفسي الاجتماعي.