يتواصل قصف الطائرات الروسية لمواقع الجماعات الإرهابية في إدلب خصوصاً وعلى رأسها «هيئة تحرير الشام» المصنفة دولياً كتنظيم إرهابي. وهي المتحكمة بأهالي إدلب بدعم وتنسيق كاملين مع قوات الاحتلال التركي للمدينة السورية الاستراتيجية. فيما لا تتوقف مدفعية الجيش السوري ومنظومات صواريخه, عن دكّ نقاط تجمع ومراقبة تلك الجماعات مُتعددة الأسماء والمرجعيات والتمويل. ما يشي بأنّ ما تصِفه أوساط الفصائل الإرهابية كما الإعلام التركي المساند لها، «تصعيداً» مُبرمجاً ومَدروساً من قِبل الجيش السوري والقوات الجيوفضائية الروسية، ربما يُؤشر وفق هؤلاء إلى بدء معركة إدلب التي تأخرت كثيراً، خصوصاً بعد طيّ ملف المنطقة الجنوبية بعودة محافظة درعا إلى حضن الدولة السورية، بما فيها ريفاها.. الغربي والغربي الشرقي.

جديد ما قد يحدث في إدلب هو قمة سوتشي المّقرر عقدها 29 الجاري في مُنتجع سوتشي الروسي على البحر الأسود بين الرئيسين الروسي والتركي، وثمّة تكهنات بانضمام الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إليها، ما يسمح لـ«ثلاثي استانة» الضامن, الالتقاء لأول مرة بحضور الرئيس الإيراني.

وسواء انضمّ الرئيس الإيراني إلى بوتين وأردوغان، أم آثر تركهما ليناقشا ملف إدلب الخلافي، والذي سمّم علاقات البلدين، والزعيمين منذ توقيعهما اتفاق موسكو في 5 آذار 2020، والذي نصّ ضمن ما نصّ عليه، على فصل المنظمات الإرهابية المتشدّدة عن تلك «المعتدلة»، وإنشاء منطقة خالية من الوجود العسكري، تمهيداً لفتح الطريقين الدوليين M5+M4، ولم تُنفذ تركيا التزاماتها بل واصلت لعبة شراء الوقت والمماطلة، وتوفير الحماية للمنظمات الإرهابية كافة، وخاصة عصابة حرّاس الدين/الحزب التركستاني وهيئة تحرير الشام.. في الوقت الذي نجح فيه الجيش السوري في فتح طريق M5، وبقي الطريق الحيوي M4 الذي يربط حلب باللاذقية، فإنّ التوتر بين موسكو وأنقرة يصعب طمسه أو إخفاؤه، خاصة بعد التصريحات اللافتة للرئيس بوتين خلال القمة التي جمعته بالرئيس السوري بشار الأسد وقوله:"المشكلة الرئيسية تكمن في أنّ القوات الأجنبية موجودة في مناطق معينة من البلاد، من دون قرار من الأمم المتحدة، ومن دون إذن منكم/يقصد الرئيس السوري, وهو -أضاف بوتين- ما يمنعكم من بذل أقصى الجهود لتعزيز وحدة البلاد» (في غمزة واضحة للوجود العسكري الأميركي/والتركي).

زد على ذلك اتهام سيرغي لافروف رئيس الدبلوماسية الروسية.. أنقرة وبشكل مباشر وعلني بـ«عدم الوفاء بالتزاماتها».. إن لجهة إنشاء المنطقة الخالية من الوجود العسكري (في منطقتي M5,M4، أم خصوصاً لناحية فصل المُسلّحين «المُعتدلين» عن إرهابيي هيئة تحرير الشام وحرّاس الدّين). ما أثار حفيظة وزير الدفاع التركي الجنرال خلوصي أكار (وليس وزير الخارجية أو المتحدث الرئاسي) الذي «اتّهمَ» بدوره موسكو بعدم الوفاء بالتزاماتها (دون أن يُحدد الالتزامات الروسية).. ما أسهم من بين أمور أخرى في ارتفاع منسوب التوقّعات بأنّ الخلاف الروسي/التركي بات معلناً, ولم يعد بمقدور موسكو بعد الآن مواصلة إبداء المرونة إزاء لعبة تركية مكشوفة كهذه، تجد دعما واضحا من الإدارة الأميركية لـ«تأبيد» الاحتلال التركي لإدلب، تمهيداً لإقامة «إمارة إسلامية» في محافظة إدلب، بعدما عملت وسائل إعلام غربية وخصوصاً أميركية, على تلميع وتسويق وترويج زعيم هيئة تحرير الشام/أبو محمد الجولاني، باعتباره خلع عباءة التشدّد وابتعد «نهائياً» عن تنظيم القاعدة, الذي كان بايع علناً زعيمه أيمن الظواهري.. عند احتدام الصراع بينه وبين زعيم داعش أبو بكر البغدادي.

ربما تمنح موسكو فرصة أخرى لأنقرة بانتظار ما ستسفر عنه قمة سوتشي الثنائية وربما الثلاثية الأسبوع المقبل (29/9) فيما تواصل طائراتها كما مدفعية الجيش السوري وصواريخه دكّ معاقل الإرهابيين, خصوصاً على «جبهة» جبل الزاوية مُقدمَة لفصله عن إدلب بهدف فتح طريق M4 كما فعلت سابقاً مع طريق M5، إلا أنّ ما يمكن توقّعه (حتى لا نقول جزمه) أنّ معركة إدلب ستندلع قريباً، حال أبدت أنقرة تشدداً ومراوغة وشراء للوقت على ما واظبت انتهاجه منذ آذار 2020 حتّى الآن.

.. الانتظار لن يطول لمعرفة ما ستُسفر عنه قمّة سوتشي الوشيكة، والتي نحسب أنّها ستكون «قمة» حاسمة وفاصلة بين مرحلتين.

kharroub@jpf.com.jo