في سياق التطورات السياسية والتحولات الإقليمية والدولية اتجاه منطقة الشرق الأوسط والحراك الدبلوماسي والسياسي ذي السمات السياسية والاقتصادية نكون نحن على أبواب تحول جذري في العلاقات البينية بين دول الإقليم من خلال التعاون التنموي والاقتصادي والانفكاك الجزئي عن السياسات التقليدية الدولية اتجاه المنطقة التي أفرزت الدور المحوري للمملكة الأردنية الهاشمية وبخاصة في العلاقات بين دول الإقليم اقتصاديا وتطويرها على شكل محاور أو تحالفات اقتصادية إقليمية لا يحكمها الموقف السياسي التقليدي، فالأهم هو رفع مستوى التنمية الاقتصادية لدول المنطقة من خلال مفهوم المصالح المشتركة وصولا إلى التكامل التنموي الذي سيؤدي بالضرورة إلى توافقات الحد الأدنى في المواقف السياسية..

في إطار ما تقدم يبرز التساؤل الكبير: أين دور الكيان الصهيوني في كل ما يجري، وبخاصة بعد إجهاض مشروع «صفقة القرن» أو تأخير ترجمتها على أرض الواقع عندما تكون الظروف مواتية للكيان الصهيوني وبخاصة دور الدبلوماسية الأردنية النشطة اتجاه عزل الكيان الصهيوني في الإقليم.

لقد تبين هذا الموقف من خلال ما يطرحه الكيان الصهيوني من مبادرة اتجاه قطاع غزة تقوم على أساس التنمية مقابل التهدئة أو التنمية مقابل الصمت، فالخطة الصهيونية تقوم على أساس تنمية اقتصادية في قطاع غزة من خلال ما يلي: رفع الحصار المفروض على قطاع غزة، والعمل على نقلة نوعية في الاقتصاد الغزي، وهي على ثلاث مراحل تبدأ بإصلاح نظام الكهرباء، وتوصيل الغاز، وبناء خطة لتحلية المياه وتطوير نوعي على النظام الصحي في القطاع، وإعادة بناء البنية التحتية والنقل وفتح المعابر مع الكيان الصهيوني ومصر، وفتح منافذ تجارية جديدة مع غزة ودول الجوار.

كل ذلك على قاعدة عدم تطوير سلاح الفصائل الفلسطينية والاستقرار الأمني لمستوطنات غلاف غزة من أجل تحقيق هدوء واستقرار أمني طويل الأمد.

يأتي ذلك، ليس صحوة ضمير مفاجئة للكيان الصهيوني اتجاه معاناة قطاع غزة؛ وإنما تماهيا مع ما سمعه رئيس وزراء الكيان الصهيوني في زيارته إلى واشنطن والقائم على أن الإدارة الأميركية ترفض رفضا قاطعا أي تصعيد للعنف وبخاصة من قبل الكيان الصهيوني في هذه المرحلة، وأن الاستراتيجية الأميركية تقوم على حل الدولتين ولكنها بالإطار المرحلي تفضل التنمية الاقتصادية مقابل الأمن. وذلك لانشغال الإدارة الأميركية في ملفات استراتيجية كبرى على رأسها الوقوف أمام المد الصيني الاقتصادي والعسكري، وكبح جماح روسيا على الصعيد الدولي والإقليمي، وبناء تحالفات جديدة خارج إطار (الناتو) وهو ما ظهر من تحالف عسكري بين الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا، وشكل أزمة الغواصات الفرنسية ومنح ملف الشرق الأوسط لأوروبا وبخاصة فرنسا.

إذن؛ ليس هناك من دعم أميركي لأي تهور صهيوني وبخاصة على الصعيد العسكري، ولذلك قام رئيس وزراء الكيان الصهيوني في الأسبوع المنصرم بزيارة إلى الشقيقة مصر من أجل حثها على الضغط على حركة حماس للتماهي مع الخطة الصهيونية القائمة على الاقتصاد مقابل الأمن، التي تعني في قاموسي السياسي الاقتصادي مقابل الصمت..

كل ذلك يحدث والحركة الأسيرة الفلسطينية تصعد مواجهتها، والحركة الشعبية المقاومة في الضفة والقطاع ترفض هذا التوجه وستستمر في مشروع الإرباك العسكري الليلي والضغط عليه من أجل تنازلات سياسية تنصف الحركة الأسيرة الفلسطينية، وتعيد مكتسباتها، وبذلك تنسف مشروع الوهم الاقتصادي مقابل الأمن والصمت..

يتبع...