تكتمل مقومات الحياة الكريمة للمواطنين، بتوفير الخدمات الأساسية من قبل الدولة، التي تتقاضى مقابل ذلك عشرات الضرائب والرسوم، لكن أهم قطاعين (الصحة والتعليم)، لأنهما يرتبطان بصحة الإنسان الجسدية والفكرية والتربوية، وهما يعانيان من مشكلات مزمنة ويحتاجان إلى إصلاح وتطوير جوهري.

وهنا أود التركيز على القطاع الصحي، الذي تقع فيه بين فترة وأخرى حوادث صادمة، مثل قضية الأوكسجين في مستشفى السلط، والاخطاء الطبية التي أودت بحياة طفلتين مؤخرا في مستشفيين أساسيين.

وجذر المشكلة ليس في مستوى تعليم وتدريب الكوادر الطبية والتمريضية، ذلك أن غالبية الأطباء في القطاع الخاص، جاءوا من المستشفيات والمراكز الحكومية التابعة لوزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية، لكن مشكلة القطاع العام تكمن بالازدحام الشديد، ونقص بعض التجهيزات الطبية، مثلا فحص نسبة سيولة الدم غير متوفر، بالمراكز الصحية الحكومية ولا حتى في المختبر المركزي لوزارة الصحة، رغم أنه فحص بسيط يجرى في أي مختبر بسيط في القطاع الخاص! بالإضافة إلى اجراءات إدارية بيروقراطية مقيتة ترهق المراجعين وتشعرهم بالإهانة، وعدم توافر الخدمات الجيدة كما هو حال القطاع الخاص.

قبل أيام تقمصت شخصية «المتسوق الخفي» بشكل طوعي، وفكرة المتسوق الخفي ابتكرتها حكومة الدكتور عمر الرزاز، وهو شخص يكلف بزيارات ميدانية لبعض المرافق الحكومية، لمراقبة مستوى أداء الموظفين وكيفية تعاملهم مع المراجعين وتقديم تقرير للحكومة، وهذا العمل في صلب واجبات الإدارات الحكومية والرقابية.

ذهبت الى مركز صحي حكومي شامل، وأهم ما يميز المراكز الصحية والمستشفيات الحكومية كثرة الطوابير، حيث يتزاحم المرضى أو من يذهبون لاستلام أدويتهم الشهرية، ويصطدمون بإجراءات روتينية مقيتة.

فالمرضى يبدأون بالاصطفاف أمام شباك موظف السجل، لكي يأخذوا ورقة مراجعة للأطباء، ثم يذهبون للتزاحم أمام غرف الأطباء وكل يمسك بورقته، وبعد مراجعة الطبيب يعودون للاصطفاف في طوابير الصيدلية أو المختبر.

الطابور الأول أمام شباك تسعير الصيدلية، وبعد الانتهاء يحمل المريض ورقته ويصطف في طابور ثانٍ أمام شباك المحاسبة، ثم يصطف في طابور ثالث أمام شباك استلام الدواء، وما أن تنتهي هذه الرحلة الشاقة يكون المراجع قد أنهك جسديا، وربما زادت حالته المرضية سوءا، طبعا في المستشفيات الوضع أكثر صعوبة.

أنا اخترت الوقوف في أحد الطوابير الثلاثة أمام الصيدلية، وكان عدد المصطفين نحو 60 شخصا، وكنت أراقب حالة التململ والتذمر على وجوه المرضى، وكان البعض يترك الطابور من شدة الارهاق ليجلس على كرسي، ويوصي من يقف أمامه لكي يحافظ على دوره، استغرق الوقوف في الطوابير الثلاثة أمام الصيدلية ساعة وربع الساعة، وكان عدد المراجعين يتزايد باستمرار.

حسب رأي الدكتور مراد رشيد أخصائي الدماغ والأعصاب، يمكن حل هذه المشكلة ببساطة، من خلال مشاركة المرضى بنسبة 20 بالمئة من كلفة العلاج والدواء والفحوصات، شريطة تطوير الخدمات وضبط عمليات الهدر، وهو ما يدفع باتجاه منافسة إيجابية مع القطاع الخاص وتخفيض الأسعار..

theban100@gmail.com