ليس بمستغرب أن تفوز مدينة مادبا الأردنية بلقب مدينة السياحة العربية للعام المقبل 2022، لا بل يحق لنا التساؤل، لماذا تأخر الإعلان إلى هذا العام؟ فمدينة مادبا تاريخيّة أثريّة وفيها الكثير من الأماكن السياحيّة وبالأخص المتعلقة بالسياحة الدينيّة. وهي مذكورة عشرات المرات في الكتاب المقدس، ومن أشهر الأحداث وقوف موسى النبي على قمة جبل نيبو وإطلالته الأخيرة على الأرض المقدسة في فلسطين.

في عام 381 جاءت إلى الأرض المقدسة في الأردن وفلسطين حاجة شهيرة اسمها ايجيريا، وهي سيّدة إسبانية، زارت الأماكن المقدسة عام 381 ووصلت إلى القدس في عيد الفصح من ذلك العام، وعادت إلى بلادها في اليوم التالي لعيد الفصح 384، وخلال هذه السنوات الثلاث، زارت الأماكن المقدسة، ووضعت ما شاهدت وسردت انطباعاتها في مخطوط تاريخي يُسمى «رحلة حج في ايجيريا» والذي تم اكتشافه عام 1884 من قبل العالم الإيطالي جيان فرنسيس جامورني، باللغة اللاتينية المكتوبة فيها. وتخبرنا ايجيريا عن زيارتها لمادبا وجبل نيبو عام 381، وتقول إنها رأت أديرة ورهبانًا في الجبل يُحسنون الضيافة، وفصلّت المكان الذي شاهدته.

واليوم، وبعد 1640 سنة من تلك الرحلة التي تُعد من أشهر الرحلات التي قامت بها سيدة بمفردها في القرون الأولى، وتعتبر مذكراتها أو يومياتها مرجعًا لا يُستغنى عنه، تمثّل مادبا موقع الصدارة في «حُسن الضيافة» وبأن تكون مدينة السياحة العربية للعام المقبل. نأمل أن يكون عاماً خالياً من الكورونا ومن أي شيء يؤثر على حسن التخطيط، والتنفيذ لخطط الجذب السياحي والفعاليات التي ستصاحب إعلان المدينة التي يأتي كما نعلم بعد إعلان مدينة شقيقة لمادبا، هي السلط، مدينة للتسامح والضيافة الحضرية.

تتميّز مادبا بالسياحة الدينيّة نظراً لغزارة المواقع من جبل نيبو إلى خربة المخيط (أو مدينة نيبو) إلى كنيسة الرسل والعذراء وكنيسة الخارطة التي تعود إلى القرن السادس، وكنيسة ومزار قطع رأس يوحنا المعمدان، وكذلك اللوحة الفيسفسائية التي وضعتها كاريتاس الأردن على مدخل كنيسة الروم الكاثوليك وأصبحت أحدث معلم سياحي في المدينة. وتتميّز بمدارس الفسيفساء التي تشكّلت فيها في القرن السادس للميلاد وتم تجديدها في القرن العشرين. هذا بالإضافة إلى ما يحيط بمدينة مادبا من مواقع شقيقة هامة، فالمغطس – مكان المعمودية ليس بعيدًا، والبحر الميت كذلك. هذا من جهة الغرب، ومن الجهة الجنوبية هنالك موقع مكاور – مكان استشهاد يوحنا المعمدان، وكذلك أم الرصاص التي تم اكتشافها عام 1987 على يد الأب العلامة الراحل ميشيل بيتشرلو. وأعتقد أن منظمي احتفالات مدينة السياحة لن يغفلوا أبدًا عن ذكر وتكريم هذا الكاهن الفرنسسكاني العلامة الذي أسهم كثيراً في حفريات جبل نيبو واكتشاف أم الرصاص وكذلك اكتشاف موقع معمودية السيد المسيح – المغطس. ونحن بانتظار افتتاح معلم أو متحف يحمل اسم رجل الدين هذا الذي طلب بأن يؤتى بجثمانه الطاهر من بلده الأصلي إيطاليا، بعد اشتداد المرض عليه، وأن يدفن على قمة جبل نيبو – وكان له ما أراد.

وأخيراً وفي 20/11/1999 كتبت في جريدة الرأي مقالاً بعنوان «يا مادبا بتنا طموحاً»، كما تقول الأغنيّة الشعبيّة، وشددت وقتها على أيدي منظمي اليوبيل الكبير عام 2000 الذي كان لمادبا فيه حضور كبير. واليوم، ومن بيروت، أشد على أيدي القائمين على تفعيل مدينة السياحة العربيّة لا بل العالميّة. والأمر بحاجة إلى تفعيل التشاركية بين مختلف القطاعات السياحية والإعلامية والكنسيّة ليس فقط في محافظة مادبا، بل وفي الأردن الحبيب الزاخر بأماكن القداسة.

Abouna.org@gmail.com