محمد القرعاني طفل تشادي له قصة تقطع نياط القلوب لكنها لم تحرك ضمير أحد في أكبر جيش عرفه التاريخ، هاجر أهله الى المدينة المنورة للحج والعمل وطلب الرزق وولد هناك عام ١٩٨٦ وكان يضطر لترك المدرسة ليعمل بائعا متجولاً بين السيارات يحمل المسابح بيد وصندوق قوارير الماء بالأخرى حتى بلغ الرابعة عشرة حين دفعه الأمل بمستقبل أحسن لان يسافر الى باكستان ليتعلم اللغة الانجليزية ومهنة إصلاح الكمبيوتر، وفي الاثناء عامل تنظيف في أحد الفنادق، حين أوقفته الشرطة لمخالفة في وثائق سفره.. «حيث جرى استجوابي وضربي وانا عارٍ معلق من ذراعيّ معصوب العينين وكيس يغطي رأسي وعنقي، وقيل لي عندما يأتي الأميركان للتحقيق معك قل لهم إنك كنت مع القاعدة!"

وتم بيعه للجيش الأميركي ككثير غيره مقابل خمسة آلاف دولار على الرأس كمتهم بعضوية خلية ابو قتادة المصري في تنظيم القاعدة عام ١٩٩٣ (أي حين كان عمره سبع سنوات!).. «وبدأت الاهانات والمناداة عليّ يا أسود او يا زنجي!» ونقل من هناك بالطائرة الى معتقل غوانتانامو في كوبا مع آخرين وبقي مكبلاً بالأغلال في يديه وقدميه مع تعذيب متنوع تحت مسلسل طويل من تحقيق لم يستوعبه قط كانت تجريه اجهزة مختلفة من الجيش الأميركي لكنه استمر ثماني سنوات وهو يُسأل طوال الوقت عن بن لادن (مَنْ هذا؟!)، وإزاء هذا الظلم الفادح يتذكر بعد احدى نوبات الضرب المبرح عام ٢٠٠٨ إثر انتخاب اوباما رئيساً انه تساءل ببراءة: «ماذا يمكن ان يقول له لو قابله وقد كان أمل السود والمضطهدين حول العالم ووعد بان يغلق معتقل غوانتانامو ويفرج عمن فيه؟ سيقول: عار عليك، لا تطلق وعوداً لا تستطيع الوفاء بها!"

هذه إلمامة موجزة بجزءٍ من قصة المعتقل محمد القرعاني كوصمة عار ابدية في جبين اميركا وقد انتهيت من قراءتها في كتاب «طفل غوانتانامو» المشروح برسوم متسلسلة وهي طريقة جذابة قديمة كانت تشدنا كثيراً أيام زمان، من سيناريو جيروم توبيانا وبريشة ألكساندر فرانك (باريس ٢٠١٨) اما الناشر الذي قدّر اهميتها واتحفنا بالطبعة العربية ٢٠٢١ فهو محمد الشرقاوي (المصري المقيم في فرنسا)/ دار نول للكتب.

المؤلم ان مأساة الطفل محمد القرعاني لم تنته بقرار المحكمة الاميركية في واشنطن بالإفراج عنه في ١٤ يناير ٢٠٠٩ اذ لم ُيعَد الى باكستان أو السعودية اللتين رفضتاه بل الى تشاد حيث سجن وحقق معه وضاق به العيش وتنقل بين عواصم أفريقية آخرها أبوجا (نيجيريا) وحصل من السلطة العليا للأمم المتحدة للاجئين على وثيقة «طالب لجوء» وهي تحميه وتجنبه التسفير الى تشاد او اي بلد حياته فيها مهددة!

وبعد.. لقد تزوج محمد القرعاني من امينة وأنجبا طفلين لكنهم تفرقوا أكثر من مرة والتقوا اخيراً في أحد بلدان غرب افريقيا بعد عشرين ساعة سفر براً والتجأوا الى مسجد حيث ينامون على حصيرة..

سوف يواصل محمد صراعه حتى يجد مكاناً آمناً لا يتهم فيه بأنه خطِر!

وبراڤو أيتها الامبراطورية الكبرى!