هما شارعان من أقدم شوارع عمّان. أحدهما واسموه بسمان، يسير في طلوع عالٍ من مبتداه حتى يعتدل، ثمّ يعود كما الإنسان للانحدار حتّى يستوي والأرض عند ساحة المسجد الحسيني الكبير. الثاني وهو شارع السعادة... زماااان، مسالم لا طلعة فيه ولا انحدار، يبتدئ مع الأرض وينتهي إليها.

همًا متوازيان. كان لهما زمااان؛ خاصة الثاني عزّ وكبرياء عندما كانت العاصمة فتيّة. كان به تجار كبار اقتصاديون، لهم أوزانهم. تصطفّ أمام محالهم سياراتهم الأمريكاني؛ الواحدة بطول يخت.. كنت ترى الشارع من خلف الزجاج الأمامي.. بعيييداً، وغطاء المحرّك بمساحة نصف دونم.. كان التجار فيه من أعمدة الاقتصاد في مختلف أصناف التجارة.. تجار مال قبان وألبسة وساعات ومطاعم درجة أولى أيامها يوم كانت الفئة (الأولى) هي المقياس، قبل أن تصبح الخمسة هي المقياس.. ثلاث نجوم وأربع وخمس.

سرت بالأمس في هذا الشارع الذي كان اسمه شارع السعادة... حزينة أنت يا السعادة.. اختفى الجهابذة لترى البسطات من فئة (فتّح عينك.. تاكل ملبن) على جانبي رصيفه.. وانزوى التجار من كلّ نوع خلفها في دكاكينهم خلف يافطات منها؛ الحذاء بـ.. أربعة دنانير. تسير كالتائه ما بين البسطات المزدحمة بلا ارتدادات بينها وسط العاصمة عمّان. وسط وسطها الذي كان هو... الوجه.

تنتهي كالتائه حتى التقائه بالآخر... بسمان. شارع حزين تستطيع أن توقّف مركبتك علي جنبيه في عزّ النهار لقلة مرتاديه. كااان يوما شارع بسمان. يعجّ بتجار النوڤوتيه الذوّاقة وتجار الأجهزة الكهربائية من كلّ نوع.. كانت السيدة تفتخر حين تجلب أشياءها ولوازمها من منطقة بسمان والأسواق بين الشارعين. كانت الأزياء الراقية والمحال الراقية هي الهدف..

بتّ ترى تماثيل العرض؛ تعرض ملابس رخيصة لا ملابس.. ترى المانيكان تلبس ملابس راقصة أو لا ملابس.. في بعضها بإيحاءات مخجلة. الأسواق في جلها تكاد تخلو من زبائنها. يقولون إن المحال هجرت وسط البلد لترقّص وسطها في ضواحي المدينة التي عمّروها، فأصبحت فلقة الأرض بحجم فلقة الصابون بـ ألف دينار؛ إذا ما وجدتها لتغطّى ببنايات من الحجر الجيري الأبيض بارتفاع برج بابل.. بل وتزيد.. كان برج بابل مرتفعًا وسط الحقول والمباني ليكشف الآفاق للقوم ويزيّن مواقعهم. كانت طلته جميلة، اليوم أبراج بابل العمّانية تعمي وتسدّ آفاق بعضها بعضًا.

في كلّ الدنى وسط البلد؛ هو مفخرة البلد... يستجلبون الزوار والسوّاح إليها ليروا تاريخ المدينة، وسط محال تزينها حضارة البلد من أزياء وتراث. والمطاعم فيها بساحات تتشمّس فيها الشمس نهاراً، ويرقص القمر في باحاتها ليلا، بطاولات ذات أغطية من مربعات أحمر كحلي وتقدم طعام البلد. يرتاح فيها الزائر، بعد جولاته فيها ما بين شارع الطلياني وراس العين شارع طلال والمدرج الروماني هناااك حيث كان فندق فيلادلفيا... هدموه لأن لا أحد يقرأ تاريخا.. والقلعة الشمّاء السيل.. سقفوه وئدوه من بعد حياة.. عندنا وسط البلد لا يمت للمدينة العاصمة بصلة.. كأنه قرية في غير عصرنا في غير تقدّمنا في غير... عمّاننا..!