ليس سهلاً بل يستحيل شطب الدور الحيوي والتاريخي الذي لعبه الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة, على أكثر من صعيد.. محلّي, إقليمي/وعربي وخصوصاً دولي/وإفريقي, رغم كل محاولات تيارات الفرانكوفونية وخصوصاً الإسلاموية داخل الجزائر وخارجها، الطمس على شخصية وإنجازات بوتفليقة, سواء في عهد الرئيس العروبي هواري بومدين أم خصوصاً في السنوات العشرين الأخيرة التي دخل فيها قصر المُرادية رئيساً للدولة العربية المغاربية, التي لم تتوقّف محاولات الأعداء إقليمياً/ودولياً لمحاصرتها والتآمر عليها واستنزافها بطرق عديدة، كانت أكثرها وضوحاً عندما تمّ تمويل وتدريب وتسليح مجاميع الإرهاب الإسلاموية, التي أرادت أخذ الجزائر إلى مربع الدول الفاشلة، إن لم يستطع أعوان المُستعمِرين الغربيين استعادتها, بعدما دفع الجزائريون أثماناً باهظة من أجل الاستقلال وكنس الاستعمار الفرنسي, الذي استطالت مدة إقامته 130 عاماً, سعياً لفرنسة الجزائر حدود تسميتها رسمياً...الجزائر الفرنسية، وارتقاء أزيد من مليون شهيد فضلاً عن الدمار والتنكيل، ومصادرة الأراضي لصالح المستوطنين الفرنسيين.

بوتفليقة الثائر ضد الاستعمار الفرنسي مذ بلغ التاسعة عشرة من عمره، أحد الذين أسهموا في صناعة تاريخ الجزائر المعاصر, رغم كلّ سيول التضليل الإعلامي التي أرادت وصف عهده بالرئاسة بالفساد والشللية والتكلّس، وغيرها من الأوصاف التي قامت جهات مُتضرّرة من وجوده في موقع الرئاسة، خصوصاً في السنوات العشر الأولى من رئاسته (الفترة الأولى والثانية ونصف الثالثة), بعد أن صمّم ونجح في أن يكون رئيساً «كامل الصلاحيات», بعيداً عن أيّ وصاية أو تدخّل أو رعاية, خاصة المؤسسة العسكرية التي قيل كذباً أنّها جاءت به إلى السلطة كواجهة سياسية ودبلوماسية, بعدما غدت الجزائر في «عشريّتها» الدموية التي تسبب بها الإسلامويون، بحملهم السلاح وأخذ البلاد أسيرة لحقدهم الأسود، وأعملوا في الجزائريين قتلاً وذبحاً وتدميرا للبنى التحتية ومؤسسات الدولة, بذريعة انقلاب المؤسسة العسكرية على النتائج الأولى للانتخابات التي أشّرت إلى فوز جبهة الإنقاذ الإسلاموية فيها.

عبد العزيز بوتفليقة هو الذي مهّد الطريق أمام الوئام الوطني فاتحاً الطريق إلى سلم أهلي ومصالحة وطنية، أدّت ضمن أمور أخرى إلى عودة البلاد إلى طبيعتها، رغم معارضة المتطرفين في الجانبيين الرسمي/ومنه بعض رموز المؤسسة العسكرية، والإسلاموي/ومنهم المرتبطون بالدوائر الاستخبارية الغربية، والجماعات الإرهابية التي كانت تدرّبت في أفغانستان على أيدي المجاهدين المُزيفين، عملاء الاستخبارات الأميركية/وبعض العربية والغربية.

ما كان بوتفليقة دُمية في يد المؤسسة العسكرية كما تمّ اتهامه، وهو الذي فكّك وأطاح «أباطرة» ورموز إدارة الاستخبارات والأمن التي تحكّم بها جنرالات من قماشة الجنرال محمد مدين المعروف بـ«توفيق», كذلك حال رهط من جنرالات في الجيش، كان مجرّد ذكر اسم الواحد منهم يثير الرعب في نفوس كثيرين.. وهو إلى جانب ذلك حقّق إنجازات على أكثر من صعيد اقتصادي/إداري/خدمي.. لا يستطيع أعتى خصومه إنكارها.

صحيح أنّ بوتفليقة لم يختر الوقت المناسب للخروج من الحكم، خاصّة بعد وقوعه ضحية مرض أقعده ومسّ بقدراته الجسدية وربما العقلية, على نحو مهّد الطريق أمام بطانة فاسدة متحالفة مع كارتل عماده أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال، كي يتحكّموا به ويصدروا القرارات المشبوهة باسمه، وكان بمقدوره مغادرة موقعه بعد العام 2013 عندما كان في وضع صحّي مقبول، ولم يكن المرض بعد قد أخذ منه ما تبقّى من قدرات.

إلّا إن تمسّك المعسكر الكاره بوتفليقة، (وهو معسكر لا يُستهان به وبالتحالفات التي نسجها وأقامها داخل الجزائر وخارجها).. بأن بوتفليقة مجرّد رجل مقعد بلا حول ولا قوّة, وكأنه الوحيد الذي أقعده المرض، يسير على كرسي متحرك, متناسيين أنّ رئيساً أميركياً (روزفلت) انتُخب لـ«أربع ولايات» رئاسية وقاد بلاده في الحرب العالمية الثانية، كان جليسَ كرسي متحرك كهذا ولم يمنعه مرض شلل الأطفال المُصاب به، من القيام بواجباته الرئاسية على أكمل وجه, إلى أن غادر الدنيا بعد 83 يوماً من تولّيه منصب الرئاسة...للمرّة الرّابعة.

ليس ذلك محاولة لتبرير تمسّك بوتفليقة الترشّح لعهدة خامسة (إن كان ثمة دلائل ملموسة على أنّه كان يمتلك القدرة الجسدية والذهنية وقتذاك لاتّخاذ قرار كهذا، وليس بطانته التي دفعت إلى ذلك)..بقدر ما نروم القول بأن عهد بوتفليقة لم يكن استثناء في تجارب الحكم, سواء «الديمقراطي» منه، وذاك الغارق في ظلام الاستبداد/والديكتاتورية. وإلّا كيف حصل بوتفليقة على أكثر من 90% من أصوات الجزائريين في ولايتيه الثالثة وخصوصاً الرابعة, وهو على كرسي متحرك؟

في السطر الأخير.. أفضل ما يمكن اقتباسه في هذا الشأن, ما قاله وزير الخارجية الجزائري الأسبق الذي زامل بوتفليقة في حكومات الرئيس الراحل بومدين/سبعينيات القرن الماضي...أحمد طالب الإبراهيمي, الذي قال بعد شيوع نبأ رحيل بوتفليقة: «لا أحد ينكر أنّ البلاد عرفتْ في عهده إنجازات في البنى التحتية والمنشآت، لكنّها -أضاف- بالمقابل..عرفت انهياراً كبيراً في الأخلاق والممارسة السياسية».

kharroub@jpf.com.jo