أبواب - وليد سليمان

بالقرب من سوق البخارية ومقابل المسجد الحسيني الكبير في وسط العاصمة عمان يبدأ طريق أول شارع بسمان، هذا الشارع العريق بقدمه ومحلاته الشهيرة، والتي أكثرها قد اختفت ليحل مكانها متاجر أخرى، أو أن بعضها قد أغلق نهائياً.

وشارع بسمان كان يُسمى قديماً بـ«طريق القبرطاي» عندما كان ترابياً، ولكن ربما سُمي بهذا الاسم نسبة إلى قصر بسمان أو سينما بسمان.

وهذا الشارع يتميز بالهدوء وحنين الأجيال من سكان وأهل مدينة عمان لماضٍ وذكريات هذا الشارع الذي يقع بموازاة شارع الملك فيصل ولكنه اعلى منه بالارتفاع قليلا.

وشارع بسمان لا يتجاوز طوله حوالي نصف كيلومتر أما عرضه فلا يتسع إلا لمرور سيارة تقريباً وباتجاه نحو الجامع الحسيني الكبير أو بالعكس نحو كشك خزانة الجاحظ للكتب التراثية.

•سينمات وذكريات

وكان هذا الشارع يشتهر بالعديد من الأنشطة الفنية السينمائية حيث كانت تتواجد فيه دار سينما رغدان ودار سينما بسمان الفخمتان. وكانت الأخيرة من أشهر السينمات في عمان، حتى انها ساهمت بتعريف الجمهور الأردني بفنون السينما والمسرح والحفلات الغنائية.

ويُذكر منها مسرحية أقيمت على خشبة مسرح سينما بسمان لعميد المسرح العربي الفنان القدير «يوسف وهبي». وكذلك استقبلت العديد من الفنانين شخصياً في الخمسينيات والستينيات لحضور أفلامهم مع الجمهور الأردني، ومنهم مثلاً المطربة صباح والمطرب محمد فوزي وزوجته سمراء النيل الممثلة مديحة يسري وغيرهم.

وكان بجانب سينما بسمان صالة ألعاب من ضمنها آلة لسماع الأغاني الحديثة والتي تعمل بوضع قطعة نقد لسماع آخر الأغاني، ومنها مثلاً أغاني المطرب الجديد آنذاك في أواخر الستينيات (فهد بلان) والتي كانت تصدح في منتصف شارع بسمان و التي أقبل على سماعها شباب عمان بشغف كبير.

أمَّا سينما رغدان فقد اشتهرت بعروض الأفلام الهندية الغنائية و كان الاقبال عليها من قبل الشباب والعائلات اقبالاً منقطع النظير. حتى أن شارع بسمان كان يُغلق بسبب ازدحام رواد السينما في الشارع قبالة هذه السينما. وحتى ان التذاكر في بعض الأحيان كانت تباع في السوق السوداء بسبب الاقبال الشديد على حضور الأفلام السينمائية.

والعديد من مشاهير عمان وعائلاتها كانوا يواظبون على حضور حفلات تلك السينما.

ومن المحلات القديمة جداً في هذا الشارع الجميل والبسيط بحركته كانت وما زالت محلات «غريب البكري» لبيع الكرات والأدوات الرياضية ولوازم الكشافة، وغريب البكري كان من أشهر لاعبي الملاكمة ومن مؤسيسها في الأردن.

ومن تخصصات شارع بسمان القديمة هو وجود محلات بيع خيوط الصوف، ومحلات بيع الكلف والأزرار وصنع وبيع الرقع والشارات المطرزة، وتحميص البزر والمكسرات، وعمل الجاتوهات الأجنبية.

•أطباء مشاهير

هذا وقد ارتبط اسم شارع بسمان بأشهر عيادات الأطباء في عمان مثل الأطباء: منيف الرزاز، ومصطفى خليفة، ومعين الطرزي، ومحمود جمعة، ونزال السكر، ونايف قسوس.. وغيرهم وذلك على أحد أدراج هذا الشارع الصاعد إلى جبل عمان والذي كان يُسمى بدرج المطبعة أو درج القبرطاي وعلى هذا الدرج الضيق والطويل- والمهمل الآن- كانت أشهر وثاني مطبعة أردنية وهي مطعبة نوري السمان «المطبعة الوطنية» التي كانت تطبع جريدة الجزيرة الأردنية وغيرها قديماً. وعلى هذا الدرج كان ايضا مقر نادي الشباب، ومصنع جوارب الشرق وهو أول مصنع جوارب في الأردن منذ العام ١٩٦٥ وحتى ١٩٨٥.

وفي هذا الشارع كانت دار أبو شام التي سكنها قديماً الروائي الشهير عبدالرحمن منيف.

ثم محل عصير رمضان الخليلي وعصير الشامي وعصير بج بن.

•أحذية القبطي

ومن مميزات هذا الشارع قديماً هو وجود أرقى محلات بيع الأحذية الفخمة

فقد كان على جانبيه العديد من محلات الأحذية العريقة مثل محلات:

مسلم،عاشوري، (كسفورد، بوغوص، روما والتي اختفى أغلبها الآن!

وكان من أشهرها في شارع بسمان محل «أحذية القبطي» الصانع الخاص لأحذية الملك الحسين رحمه الله وللعديد من مشاهير شخصيات عمان قديماً. والذي انتقل إلى مكان آخر قبل حوالي 20 سنة إلى مناطق عمان الغربية وحلَّ مكانه الآن مطاحن أبو شام للعطارة والأعشاب الطبية والتوابل بعد أن كان في دخله مغلقة بجانب هذا المحل.

وكان الفنان الراحل «فائق القبطي» والذي أسس أشهر مصنع للأحذية في عمان قديماً قد صنع مصنعه ذات مرة حذاءً للرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول في ستينيات القرن الماضي، وللمطربة صباح، ومعظم شخصيات عمان كانوا يشترون أحذيتهم الفاخرة من محلات القبطي.

كما كان الفنان السينمائي والمسرحي والمونوليجست الأردني القدير فائق القبطي وصانع الأحذية الفخمة المرتفعة الثمن صديقاً لعدد كبير من الممثلين المشهورين في العالم العربي مثل:

يوسف وهبي، أمينة رزق، فاخر فاخر، عماد حمدي، وديع الصافي، صباح، كمال الشناوي، ومحمد الموجي، وسيد زيان، وجورج سيدهم، وسمير غانم، وسميرة توفيق مريم فخر الدين، وعبد السلام النابلسي وغيرهم.

فقد كان أفضل من يقدمهم على مسارح دور السينما الأردنية–مثل سينما الحسين وسينما رغدان وسينما عمان وسينما بسمان–عندما كانوا يأتون قديماً إلى عمّان لمشاركة الجمهور الأردني بحضور أفلامهم الجديدة آنذاك.

والمدهش في الفنان القبطي أنه لم يكن يأخذ أجراً لمعظم نشاطاته الفنية المتعددة وان أخذ أجراً فقد كان يوزعه على بعض معارفه وأصدقائه المحتاجين لأنه كان مكتفياً مادياً من مردود مصنع الأحذية الضخم, ومن معرضه للأحذية الفخمة في شارع بسمان.

•تخصصات حديثة

أما التخصصات الحديثة والتي بدأ شارع بسمان يتميّز بها مؤخراً منذ عقود فهي تواجد الكثير من محلات بيع قطع الإلكترونيات النادرة لأجهزة الاتصال مثل: التلفونات القديمة والحديثة الخلوية والستالايت والتلفاز والراديو والأجهزة الكهربائية الأخرى.

وحديثاً ظهرت ومنذ عقدين من الزمن محلات وأسواق خاصة في هذا الشارع متخصصة لبيع الملابس التراثية النسائية الشرقية المطرزة بخيوط الحرير الملونة.

•أدراج شهيرة

أما الأدراج الكبيرة والصغيرة من جانبي الشارع والمؤدية لشارع فيصل ولجبل عمان فهي كثيرة ونذكر منها الدرج الأول الذي يصادف القادم من جهة الجامع الحسيني وعلى بُعد «100» متر تقريباً فهو الدرج والمدخل المؤدي إلى شارع فيصل حيث كانت محلات المصري للملابس ومطعم دار السلام الشهير.

وبعد مسافة قصيرة جداً ولكن من جهة يسارنا يقابلنا درج طويل صاعد إلى شارع المحكمة الشرعية في جبل عمان. وقرب بداية هذا الدرج كان يقع فندق هو من أوائل الفنادق الفخمة في عمان قديماً وهو فندق رم كونتيننتال المهجور حالياً.

وإذا ما سرنا عدة أمتار فعلى جهة اليمين سيصادفنا درج قديم جداً بدرجاته الحجرية المنقوشة جيداً والمؤدي إلى سوق منكو العريق بشهرته والخاص ببيع ملابس وأقمشة النساء والأطفال والعرائس.

ويظل شارع بسمان هو الأخ الصغير والأليف لشارع فيصل الكبير الموازي والذي ما زال لسكان عمان ومواطنيها لهفة خاصة وحب عميق لقلب عمان الشعبي ولشارع بسمان التراثي وبالذات في المساءات حيث أضواء المحلات وزينتها الجميلة، ونظافة واجهاتها ومبانيها الحجرية الشرقية، وهدوء أجوائها الرومانسية.

وهذا مما جعل أهل عمان يشبهون السير أو المشي في شارع بسمان بالمشي والكزدرة في أحد شوارع العواصم الأوروبية الجميلة بديكوراتها وأرصفتها ومحلاتها وأضوائها الليلية المفرحة. لذا يقترح بعض أصحاب المحلات في شارع بسمان بمنع وقوف السيارات في هذا الشارع الضيق لجعله شارعاً سياحياً للمشي والتسوق على الأقدام فقط.

•دخلات صغيرة

وعندما نتابع السير حتى آخر الشارع فسوف نجد على يميننا دخلات صغيرة فيها المحلات القديمة الخاصة ببيع اللحوم والخبز، والمطعم الشهير فؤاد الخاص ببيع الفلافل والساندويشات، وكذلك باعة السمك الطازج والنادر، وبقالات الألبان والأجبان، وبعض محلات الحلاقة الرجالية، ومقهى يقع تحت الأرض تقريباً وقد أغلق منذ أكثر من 30 سنة.

•أماكن أخرى شهيرة

إنها ذكريات المكسرات والتسالي والأفلام والجمهور الراقي في مساءات جمیلة قدیمة في شارع بسمان بقاع المدینة عمان. ففي سبعینيات القرن الماضي كنا نذهب لحضور الأفلام في سینما رغدان أو سینما بسمان وكان من الطقوس الملازمة لذلك أثناء مشاهدة الفیلم التسلیة بأكل بزر البطیخ والقرع الذي یبتاعها رواد السینمات من المحمص المقابل لسینما رغدان وهو محمص العائلات شاهین فبخمسة قروش كناتشتري كيساً ورقياً صغيراً فيه البزر المحمص الطازج!!

وكان ثمن تذكرة السینما هي حوالي 12 قرشاً وربما یكون من الصدف اللطیفة أن تشاهد أحد مشاهیر الفن في زیارة داخل المحمص كدرید لحام او شمس البارودي.

ومع أشهر محلات بائعي العصير الشعبي الشرقي من سوس وتمر هندي وخروب في شارع بسمان هو محل عصائرالحاج رمضان الخليلي الذي قضى نحو أكثر من (50) عاماً يتعامل مع هذه المهنة رحمه الله.

•ستوديو سبورت

استوديو سبورت للتصوير الفوتوغرافي كان وما زال من أشهر ستوديوهات التصوير في عمان منذ الخمسينيات وحتى الآن.. فبداية عمل المصور الفنان «محمد أكرم الطويل» في تلك المهنة أنه كان قد اشتغل مساعداً لمصور ارمني في ستوديو سبورت الكائن على درج بجانب سينما بسمان حيث انتهي الأمر بأن ينفرد ابو غالب محمد أكرم الطويل بهذا المحل والعمل الفني الجميل والمبدع، فقد شهد ستوديو سبورت قديماً استضافة العديد من ألمع نجوم الفن والفكر والسياسة الأردنيين والعرب.

ومن الطريف أن نعرف بأن مسودات الأفلام التي صوَّرها لهم ما زالت موجودة لديه ويحتفظ بها جيداً لهؤلاء المشاهير الذين التقط لهم الصور بنفسه سواء كان ذلك في حفلاتهم أو في الاستوديو أو في أماكن أخرى. ومن تلك المسودات والصور مثلاً:

صور موسيقار الأجيال (محمد عبدالوهاب) ومطرب الشرق الفنان (فريد الأطرش) ومطربة البادية (سميرة توفيق) والشحرورة (صباح) وشريفة فاضل وسعد عبدالوهاب وأسماء أخرى عديدة وشهيرة من السياسيين والفنانين والأدباء وأصحاب المهن الهامة الأردنيين.

وسابقاً عمل الطويل كمصور صحفي في العديد من المؤسسات الاعلامية مثل مجلة «الاثنين» الاسبوعية والتي كان يرأس تحريرها الصحفي والكاتب المعروف (طارق مصاروة) ثم جريدة «البناء» اللبنانية، والوكالة الاردنية للصحافة والنشر، ثم في المديرية العامة للمطبوعات والاعلام.

وشارك المصور محمد أكرم قديماً بالتصوير الفوتوغرافي للفيلم الأردني الأول (صراع في جرش) الذي انتج عام 1957، ثم في أفلام أخرى بعد عدة سنوات مثل: (وطني حبيبي) وفيلم (كفاح حتى التحرير) وكانت مهمة صاحبنا الطويل هي أخذ لقطات عديدة من هذه الأفلام بكاميرا التصوير فقط.

•مروان خريسات والراديو

الراحل مروان خريسات كان صاحب محل قديم لتصليح الراديوهات منذ الخمسينيات في شارع بسمان حيث كانت اجهزة الراديو قديماً صناعة انجليزية والمانية وسويدية وايطالية، وكانت تعمل على بطارية اشبه ببطارية السيارة الثقيلة المكعبة الشكل, ومنها ماركات (بيرك وافيردي والشمس) وهذه الاخيرة كانت من صنع مصنع بطاريات اردنية.

أما جهاز الراديو قديماً كان عبارة عن صندوق خشبي كبير ومتين ومزخرف وجميل لكن مع بداية ستينيات القرن الماضي ظهرت اجهزة راديو الترانزستور اليابانية والتي تعمل على بطاريات اسطوانية صغيرة، وكان ذلك بمثابة تطور وتحول مدهش لجهاز الراديو، والذي اصبح صغير الحجم ويمكن نقله وحمله من مكان لآخر بسهولة.

وكان مصلح الراديوهات خريسات في تلك الفترة يحول اجهزة الراديو القديمة الى اسلوب الترانزستور على البطاريات الصغيرة والكهربائية ليتزاحم عليه اصحاب الاجهزة من كل مكان من مدن الأردن والضفة الغربية.. بسبب حبهم لأجهزة الراديو القديمة خاصتهم ولعدم رغبتهم بالتخلي عنها.