عمّان - غدير السعدي

المحاسيس: زواج الطالبة لا يمنعها من الانتظام في الدراسة

تزوجت الشابة حنين العوض (19 عاما) عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها وهي في الصف الثامن بمدرسة الكرامة في مدينة الزرقاء.

حنين (سورية الجنسية) كانت قد عقدت قرانها بكتاب خارجي (غير مثبت في المحكمة) في شباط 2016 لأنها لم تكن أتمّت الخامسة عشرة من عمرها، وكانت تنتظر أن يكتمل في رأس السنة الذي يوافق ذكرى ميلادها.

وعندما بلغت الخامسة عشرة، وعوضا عن أن تثبت عقد الزواج في المحكمة، تطلقت، لتصبح مطلقة وهي أم لطفل بعمر أربع سنوات، والتحقت بالتعليم مرة أخرى بعد طلاقها لأنها ترى أنه الخيار المناسب، فعادت إلى الصف الثامن بعدما أضاعت من عمرها عامين.

حال حنين كحال العديد من الفتيات اللواتي يتزوجن بعمر الطفولة ويفشلن في تكوين أسرة، ثم يعدن إلى أسرهن بأطفال لا ذنب لهم، وهي وإن كانت غير أردنية، إلا أنها تزوجت في الأردن وتخضع لقوانين المملكة، وما جرى لها يمكن أن يجري لأي فتاة أردنية ممن تزوجن وهن قاصرات.

وكذا الحال لا تتقبل أم محمد ربة منزل أردنية من سكان السلط أربعينية وامرأة عاملة، وأم لأربعة أطفال منهما طفلتان في الصف التاسع، والأخرى في الروضة، فكرة وجود فتاة متزوجة على مقاعد الدراسة مع بناتها اللواتي تعتبر أنهن ما يزلن طفلات ويجب أن لا ينشغلن إلا بالدراسة، وترفض أن «تتفتح عيون» بناتها على قضايا وقصص المتزوجات خصوصا أن ابنتها الكبرى في الصف التاسع، وهذا «سن حرج» على حد تعبيرها، ويحتاج متابعة.

وتقول «أنا أرسل بناتي للمدرسة للتعلم وليس لمخالطة متزوجات والتعرف على مشاكل تلك الفتاة التي حتماً ستؤثر على سير دراسة ابنتي».

ومثل أم محمد هنالك الكثير من الأمهات اللاتي لا يتقبلن وجود فتيات متزوجات على مقاعد الدراسة يختلطن ببناتهن الطفلات، كي لا يتأثرن بهن فينعكس على تحصيلهن العلمي وهو الاهم في هذه المرحلة.

وفي الجانب الآخر، فإن وجود هؤلاء القاصرات المتزوجات وبعضهن مطلقات، يجعلهن غير مرغوب بهن في المدرسة، بسبب شعور أولياء الأمور بعدم الارتياح لمخالطة بناتهم مع طالبات متزوجات، وقد يتعرضن للتنمر لأن البيئة المدرسية غير مهيأة لتقبلهن، ما يسهم في انسحاب هؤلاء الفتيات المتزوجات، وبعضهن في فترة الخطوبة، من المدرسة، لأن الصورة النمطية المجتمعية مفادها أن الفتاة بمجرد ارتباطبها أكان بالخطبة أو الزواج «لا داعي لبقائها على مقاعد الدراسة».

التعليم إلزامي حتى العاشر

وينص قانون التربية والتعليم لعام 2018 الساري في المادة (10) المتعلقة بمرحلة التعليم الأساسي على:

أ- التعليم الأساسي تعليم إلزامي ومجاني في المدارس الحكومية.

ب- يقبل الطالب في السنة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي إذا أتم السنة السادسة من عمره في نهاية كانون الأول من العام الدراسي الذي يقبل فيه.

ج- لا يفصل الطالب من التعليم قبل إتمام السادسة عشرة من عمره ويستثنى من ذلك من كانت به حالة صحية خاصة بناءً على تقرير من اللجنة الطبية المختصة.

وتنص المادة (6) من تعليمات المدارس الخاصة رقم (1) لعام 1980 على أنه «يسمح للطالبة المتزوجة بالدراسة في المدارس الخاصة بموجب الشهادات الرسمية المصدقة التي تحملها»، والأمر كذلك في المدارس الحكومية.

فالأصل أن تلتحق الفتاة بالمدرسة حتى تنهي التعليم الإلزامي الذي يمتد حتى الصف العاشر، ولها أن تكمل تعليمها الثانوي، بصرف النظر عن حالتها الاجتماعية التي من المفترض أن تكون عزباء، إلا أنها قد تكون متزوجة أو مطلقة.

ومن شروط منح الإذن بالزواج في البند السادس لزواج القاصرات، أن لا يكون الزواج سبباً في الانقطاع عن التعليم المدرسي.

مدير إدارة التعليم في وزارة التربية والتعليم الدكتور سامي المحاسيس يؤكد أن التعليم حق للجميع، وأن زواج القاصر وهي على مقاعد الدراسة لا يمنعها من الانتظام في الدراسة، أو العودة إلى التعليم العام أو برامج التعليم غير النظامي.

أرقام ونسب

وتظهر أرقام دائرة قاضي القضاة أن 95% من طلبات زواج الأطفال المقدمة لمكاتب الإصلاح والتوفيق الأسري العام الماضي جرى منحها إذن الزواج، فيما بلغ عدد حالات الزواج لمن هن دون سن 18 العام الماضي 7964 من أصل 67389 حالة زواج، بنسبة 11.8%.

وبيّن تقرير أصدره المجلس الأعلى للسكان أن 21% من المتزوجات أقل من 18 عاما، ثلثاهن أردنيات.

وبين التقرير الصادر في آب الماضي بعنوان «زواج من هم دون سن 18 عاما والخطط والاستراتيجيات الوطنية للحد منه، أن 2117 طفلة أعمارهن من 15 عاماً وأقل من 16 عاماً تم تزويجهن عام 2020 وبنسبة 26% من مجمل عقود تزويج القاصرات، و 2570 طفلة أعمارهن من 16 عاماً وأقل من 17 عاماً وبنسبة 32.4%، و 3277 طفلة أعمارهن من 17 عاماً وأقل من 18 عاماً وبنسبة 41.1%.

طفلات وإن تزوجن

ويرى الاستشاري التربوي والاجتماعي الدكتور خليل الزيود، أن زواج القاصرات في عمر المدارس «كارثة» حتى «وإن كان هناك استعداد جسدي، فهذا لا يكفي ولا يبرر الزواج».

ويلاحظ الزيود، أن أولياء الأمور يعرضون بناتهم للتنمر بسبب عدم وجود القدرة لديهن على التعايش مع البيئة المدرسية والمجتمعية، وتحميلهن مسؤوليات غير مستعدات لها.

ويحض الزيود على تكثيف عمليات التثقيف والتوعية للطالبات الأخريات، وتثقيف الفتاة المتزوجة أن تتصرف بحذر وأن تجتهد في دروسها، وتأجيل مسألة الحمل «إن استطاعت»، داعيا إلى توعية «هؤلاء الطفلات» بأهمية المدرسة والدراسة وتخطي مرحلة التوجيهي على الأقل.

ورغم أن التعليمات واضحة وصريحة بعدم حرمان أي طالبة متزوجة من إكمال تعليمها، إلا أن الممارسات على أرض الواقع تشير إلى غير ذلك. وتحلم حنين بدراسة الطب وهي متفوقة في دراستها، وحصلت على معدل 97 في الصف العاشر وهي الآن في الصف الثاني عشر (توجيهي) الفرع العلمي.

وتوجه حنين رسالة لأولياء الأمور بعدم تزويج بناتهم في عمر صغير لأنها ترى ان العديد من زواج القاصرات محكوم عليه بالفشل، وتختم «إذا فسدت العائلة فسد المجتمع والضحية الأطفال».