لنعيدكم للتاريخ القريب جدا الذي ما زال الكثير من الناس حول العالم يتذكرون فيه لحظة سقوط برجي التجارة في مانهاتن وبرج ثالث خلفهما لم يكشف عنه إلا متأخرا إذ تهدمّ دون إصابته من الطائرتين، وكيف أعلن الرئيس جورج بوش الحرب على الإرهاب كما قرروا أن يسموه، وبدأ من هناك بالتجييش لحرب افغانستان ثم العراق، فلماذا العراق؟ ليس هناك ما يخيف أميركا من العراق وأهله، ولكن المقصود القضاء على أي قوة عربية يمكنها تحمّل آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ.

ما زلنا اليوم نضع اللوم على دبليو بوش الصغير، ولكنه في الحقيقة ليس ذلك العملاق التي وصفته والدته بالغبي والسكير، فمن ألهمه ليعلن الحرب الجديدة على العالم الإسلامي وتطهيره بالدم؟ إنه نائبه «ديك تشيني» الذي لا يقل عنه فشلا في بدايات حياته وشبابه واعتماده على صديقته كي يدخل جامعة ييل التي سرعان ما فصل منها، ولكن كانت له ميزة فهو مملوء بالدهاء والخبث والخروج عن كل قواعد السلوك السليم في السياسة والخضوع للمعايير القانونية في كل ما يواجهه بحياته، والذي تسلل لعالم السياسة والقيادة بفضل ميكافيلية قذرة، ليصبح أخيرا النائب الأقوى من رئيس الولايات المتحدة العظمى.

لقد سبق وأن خرجت تعليقات وأكثر منها تحليلات لمقالات سياسية تصف تشيني بأنه انتهازي لدرجة قذرة وأوضح ما كشف عن تاريخه فيلم «فايس» أو النائب، وكيف بدأ حياته بالفوضى وإدمانه الخمور وابتعاده عن كل الفضائل، وكيف تسلل الى مجتمع السياسة الأميركي زمن الرئيس نيكسون واستمر مع خليفته فورد، ودخوله للبيت الأبيض كموظف حتى أصبح أخيرا كبير موظفي البيت الرئاسي، ثم ترشحه للكونغرس حتى تعيينه وزيرا للدفاع، وعلاقته بالوزير دونالد رامسفيلد سيئ الصيت وخروجه من دائرة الضوء حتى جاءته الفرصة مع بوش الصغير ليفرض شروطه التي كسرت صورة الرئاسة بمنحه صلاحيات رئاسية لم يأخذها أحد غيره.

وما أن وضع بوش وتشيني أقدامهما في البيت الأبيض باتا يفكران بالغزو، والهدف طبعا العالم الإسلامي عجما كانوا أو عربا، إلا إيران التي استبقوا الحرب الباردة معها، ثم جاءت الفرصة في الهجوم بالطائرات على برجي التجارة في نيويورك والبنتاغون في واشنطن، فمنذ لحظة إخلاء تشيني للمكان الآمن أخذ تشيني صلاحيات الرئيس بوش الذي نصحه بأن يبقى على طائرته بعيدا في السماء، وقرر حينها أن الحرب يجب ان تبدأ على افغانستان وتنظيم القاعدة وزعيمها اسامة بن لادن، ولكن العراق كان بعيدا عن كل ذلك، فكيف دخل على مشهد الحرب الصليبية البوش تشينية؟

استغل بوش وتشيني الفرصة لتوسيع نطاق حربهما، وإن كانت القاعدة هي الهدف فإن العراق كان حلم الثأر لبوش، ومن هناك بدأ التحريض على غزو العراق مجددا واسقاط نظام الحكم فيه وإعلان قائمة المطلوبين التي تضم القيادة العليا بذريعة وجود أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة أصلا، وهذا ما حصل بعد سنتين من غزوهما افغانستان، فقد دمرت القوات الأميركية والبريطانية ومجموعة التحالف باستثناء فرنسا والمانيا كل ما تطاله أيديهم وأطلقوا من هناك الشيطان من قمقمه.

لقد لعب الدور التسلطي والانتهازي الفاجر لنائب رئيس الولايات المتحدة الأرعن في غسيل عقول البشر من خلال الإعلام الموجه، لتغيير وجه العالم العربي والإسلامي، فبعد سبعة عشر عاما من الهجوم على ليبيا وبعد سنوات على قصف السودان والصومال، استطاع رجل واحد تدمير دولة قد يكره البعض رئيسها كالعراق أو السودان أو ليبيا القذافي أو نظامها كافغانستان، ولكنهم لا يملكون تدمير بلد بأكمله ودفعه الى الفوضى واستشراء الخراب فيه وتهديد بقية الدول بقانون «من ليس معي فهو ضدي» الذي لا تزال دول عالمنا الإسلامي تخشاه، وهذا ما أوصلنا الى ما نراه اليوم من تقطيع أوصال العالم العربي المرتجف والسيطرة الأمنية للحفاظ على مصالح حفنة مسؤولين على حساب ملايين المواطنين.

مناسبة الحديث هنا، هي الذكرى العشرون لهجمات الحادي عشر من أيلول الكئيب في تاريخ العرب والمسلمين والذي أسس بعده لنظرية تدمير الدول العربية غير الخاضعة كالعراق وسوريا وليبيا واليمن، ولهذا تبرز أهمية الدولة الوطنية.

Royal430@hotmail.com