ليست المرة الأولى التي تقفز فيها أحداث صحية سلبية إلى واجهة الاهتمامات، من زاوية حدوث أخطاء طبية، تترك وفيات أو عاهات مستديمة. ولا المرة الأولى التي ينتفض بها نواب مطالبين بمعاقبة المسؤولين عن تلك الأحداث.

فمنذ عقود والمشكلة الصحية تتجذر، والوزارة بالكثير ممن تسلم إدارتها تتحرك وفقا للمناسبات، وبحسب درجة الانفعالات الشعبية والبرلمانية. غير أن الحركة الحكومية لا تخرج عن صورة الانفعال الذي تنتجه زجاجة مشروبات غازية تنفض محتوياتها بقوة عند اية «خضّة»، لكنها تعود إلى حالة السكون حتى لو تعرضت لما هو أكبر من «الخضّ».

ففي كل مرة، ترتفع الأصوات مطالبة باستقالة الوزير، وبنقل أو فصل المسؤولين مباشرة عن الحادثة. وتبادر الوزارة من جهتها إلى اتخاذ إجراءات بنقل المعنيين، أو تجميدهم، وقد تتخذ إجراءات تأديبية بحقهم. قبل أن تهدأ الحالة ويعود الوضع إلى ما كان عليه.

فللأسف الشديد، تركز كل المعالجات الإدارية على أمور شكلية، ولا تدخل في صلب المشكلة، التي يعلمها كل أركان القطاع الطبي، ويجهر بها البعض من المتضررين مباشرة، وينكرها القياديون الذين يصرون على إظهار الوضع بأنه «قمرة وربيع».

فالمشكلة ـ بمنتهى الاختصار ـ إدارية، والقضية قضية إمكانات بشرية، ومادية، تتمثل بنقص في عدد الأطباء من اختصاصيين وعامين. وارتباط ذلك بالبعدين الإداري والمالي.

من الأمثلة على ذلك، تكليف أطباء جدد، بخبرات متواضعة للتعامل مع مراجعي الطوارئ. وبموازاة ذلك، رفد تلك الأقسام التي تشهد اكتظاظا كبيرا بأطباء من مقيمي السنة الأولى. والذين لا فرق بينهم وبين الأطباء العامين ممن اجتازوا اختبار الامتياز حديثا.

وغالبا ما يتم تكليف طبيب واحد بالتعامل مع مراجعي الطوارئ، ما يعني أن حصته من المراجعين تتجاوز الثلاثمائة مراجع يوميا في بعض الأحيان. ومثل ذلك الأطباء العاملون في العيادات الخارجية، من مقيمين واخصائيين، بحيث تقل حصة المراجع من وقت الطبيب إلى ما دون الثلاث دقائق.

وينعكس ذلك على مختلف الإجراءات الطبية والعمليات الجراحية. ففي مستشفيات وزارة الصحة، وفي مختلف المواسم، بما في ذلك حقبة ما قبل «الكورونا»، هناك مواعيد لإجراء عمليات وإجراءات طبية أخرى تمتد إلى ما بعد ستة أشهر.

ورغم ذلك كله، تسابق الوزارة الزمن في تسييس عملها، من خلال الإعلان عن ضم فئات جديدة للتأمين الصحي، رغم ضيق الإمكانات، وعدم التوسع بما يكفي لسد النقص الحاصل في الخدمة، وتلبية الطلب المتزايد عليها.

وفي البعد الإداري، ما زالت أنظمة الخدمة المدنية تتمسك بإحالة من يبلغ سن الستين من الأطباء إلى التقاعد. وتتحايل الوزارة على التعليمات الناظمة للعملية بشراء خدمات المتقاعد. وما زال راتب الطبيب متدنيا إلى الدرجة التي لا يساوي دخل زميله في القطاع الخاص ليوم واحد.

كل ذلك يؤكد أن مشكلة القطاع الطبي هي مشكلة هيكلية، تتطلب إعادة صياغة الملف من بداياته، بحيث يكون من حق الوزارة أن توظف ما تحتاج من الكفاءات الطبية وفقا لأسس مختلفة عن باقي موظفي الدولة. وبرواتب مجزية للإخصائيين.

وبين هذه وتلك أن يعاد النظر في آلية العمل والدوام، والمناوبات. بما يوفر الخدمة على مدار الساعة.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com