رحم الله الشيخ حسين الشهاب أحد شيوخ قبيلة عباد، فلقد مازحه دولة الأستاذ زيد الرفاعي عافاه الله ذات مرة بقوله، إن فلانا يقول انه هو شيخ منطقة الأغوار ولا أحد سواه، «طبعا فالمعني لم يقل ذلك وإنما جرى اتهامه لو جاز التعبير من قبيل الدعابة لا أكثر».

وببديهة الفطن المجرب وصاحب الخبرة والفراسة، سأل المرحوم الشهاب أبا سمير عن نوع شجرة كان يجلس في ظلالها، قال شجرة. ليمون، زاد الشهاب ماذا لو قطعنا ماء الري عنها لمدة، أجاب أبو سمير، ستموت حتما.

واصل المرحوم الشهاب، ما نوع تلك الشجرة هناك، وكانت شجرة زيتون مباركة، وسأل هل ستموت كما الشجرة الأولى لو قطعنا عنها ماء الري، قال أبو سمير لا فالزيتون يكفيه ماء السماء ولن يتأثر بقطع ماء الري.

هنا، قال الشيخ الشهاب حكمته التي لم ولن أنساها... وكذلك هم الرجال نوعان، نوع ينتهي تماما إن قطعت عنه الدعم المستمر، ونوع ثابت لا يتأثر ولا يتغير بدعم أو بدونه، وأنا سأقطع ماء الري عمن قال لك ما قال.

تلك حكمة تتجلى في زماننا اليوم في أصدق صورها، حيث «النخب» نوعان، نوع يحيا بماء الري، أي الدعم ولا استمرارية له بدونه، ونوع لا يتأثر حتى وإن سدت في طريقه سائر وسائل الدعم.

النوع الأول ومع الاحترام للجميع طبعا، يتغير ويتقزم متى توقف الدعم، والثاني لا يتغير ولا يتقزم بدعم ومن دون دعم.

رحم الله كبارا فقدناهم كانوا رفعة في فراسة الرجال وفروسية الأخلاق وسطروا لنا حكما بالغة الأهمية، وجلهم لم يكونوا خريجي مدارس أو جامعات، وإنما هي جامعة الحياة التي علمتهم جيلا تلو جيل، أصدق الحكم وبالغ الحكمة في شؤون الحياة، ومنها وعلى وجه الأهمية القصوى، معادن الرجال وقدرات الرجال ومن هم مؤهلون منهم لشيمة نخب ورجال دولة، ومن هم غير ذلك.

والله من وراء قصدي.