أما وقد شارفت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية على إنهاء أعمالها، فإن الأنظار السياسية والشعبية ستتجه نحو البرلمان، صاحب الولاية الدستورية في التشريع وإصدار القوانين.

فقد أعلن جلالة الملك في رسالة تشكيل اللجنة بأنه سيضمن أمام الأردنيين والأردنيات كافة أن نتائج عمل اللجنة ستتبناها الحكومة، وستقدمها إلى مجلس الأمة فورا دون أي تدخلات أو محاولات للتغيير أو التأثير، وأنه لا يجب أن يتأخر تقديمها عن موعد انعقاد الدورة العادية المقبلة لمجلس الأمة في بداية الشهر القادم.

إن هذه الضمانة الملكية قد أكدت دور الدور الدستوري للسلطة التشريعية على مخرجات اللجنة الملكية، حيث سيثبت لأعضاء مجلسي الأعيان والنواب الحق في مراجعة وإقرار مشاريع القوانين المقترحة عن اللجنة، والمتعلقة بالانتخاب والأحزاب السياسية وتعديل الدستور.

ورغم ذلك، فإنه لا يمكن تصور إطلاق يد البرلمان على ما قدمته اللجنة الملكية من توصيات كانت ثمار عمل وجهد مضن لأكثر من ثلاثة أشهر، إذ لا بد من التفكير في المحددات الدستورية التي يتعين على مجلس الأمة مراعاتها دون الإخلال بحقه في التشريع، والتي تتمثل بضرورة السير على هدي رسالة جلالة الملك إلى رئيس اللجنة الملكية.

فأول هذه الحدود التنظيمية لسلطة مجلس الأمة على مخرجات اللجنة الملكية أنه لا بد من إصدار قانوني انتخاب وأحزاب سياسية جديدين وإجراء تعديل على الدستور. فإن كان الأعيان والنواب يملكون الحق في إجراء التعديلات التشريعية التي يرونها مناسبة على النظام الانتخابي المقترح، والكيفية التي يمارس فيها الأردنيون حقهم في تأسيس الأحزاب السياسية، إلا أنهم لا يملكون رفض مشروعي القانونين بشكل كامل وإعادتهما إلى السلطة التنفيذية. فذلك القرار إن صدر سيتعارض مع توجيهات جلالة الملك بإصدار قوانين جديدة.

كما وإن كان لمجلسي الأعيان والنواب إدخال ما يرونه مناسبا من تغييرات على ما اقترحته اللجنة الملكية من نظام انتخابي مختلط يعتمد القائمة النسبية المفتوحة على مستوى المحافظة والقائمة المغلقة على مستوى المملكة، إلا أنهم محكومون بتوجيهات جلالة الملك بضرورة إيجاد إطار تشريعي يؤسس لحياة حزبية فاعلة قادرة على إقناع الناخبين بطروحاتها، ويمهد الطريق نحو الوصول إلى برلمان قائم على الكتل والتيارات البرامجية. فهذه المبادئ الملكية يجب أن تأخذها السلطة التشريعية بعين الاعتبار عند ممارستها لدورها في مراجعة التشريعات المقترحة من اللجنة الملكية. فأي مقترح نيابي على توصيات اللجنة يجب أن يكون محكوما بالإطار العام الذي حدده جلالة الملك، والمتمثل في التأسيس لمرحلة متقدمة في أسلوب ممارسة السلطة التنفيذية لمسؤولياتها الدستورية.

كما شملت توجيهات جلالة الملك ضرورة تهيئة البيئة التشريعية والسياسية الضامنة لدور الشباب والمرأة في الحياة العامة وتمكينهم من المشاركة الفاعلة، وتعزيز قيم المواطنة والالتزام بمبدأ سيادة القانون. وهذه القواعد الأساسية يجب أن يعتبرها المشرع الأردني نبراسا لعمله القادم، وأن يعمل جاهدا على تكريسها في القوانين الأردنية ذات الصلة.

وتبقى التعديلات الدستورية المقترحة من اللجنة الملكية، والتي وإن كان مجلس الأمة يملك الولاية الكاملة في مراجعتها وتدقيقها، إلا أن هناك محددا دستوريا لهذه السلطة يتمثل بأن الدستور الأردني هو دستور تعاقدي، وأنه يشترط لتعديل الدستور موافقة جلالة الملك، الذي سبق وأن أعلن بأنه ضامن لمخرجات اللجنة ككل.

إن سلطة البرلمان على مخرجات اللجنة الملكية سيحكمها التشاركية واستكمال العمل نحو تحقيق الأهداف والطموحات الملكية في تحديث المنظومة السياسية.