إحدى أبرز مشاكلنا الهوس بالعموميات، البعيدة عن الدقة والمتجنبة للتفاصيل المعززة للاستنتاجات.

أسهل شيء إطلاق الأحكام، دون حجة أو برهان، ودون منطق يفضي إلى الإقناع.

مجتمعنا غارق في التعميم والجدل، ونادراً ما نجد من يتحدث بعقلانية. إنه فيض من الكلام الأحادي، وغياب للحوار.

يُضاف إلى ذلك الميل للسلبيّة في الطرح، ثم النقد اللاذع.

والنقد يكون للآخرين ولا يكون موجهاً للذات.

فنحن معصومون عن الخطأ، والعلّة في غيرنا.

وللعموميات أبعاد عدة، تشمل معظم مناحي حياتنا؛ ولها أساليبها وفنونها.

من أهم أبعادها الحكم على الأداء، أداء الأفراد والمؤسسات.

والحكم مبني على ثنائية ناجح/راسب والتي ربما كانت تؤدي غرضاً محدداً في سياقاتها، لكنها خرجت اليوم عن تلك السياقات وأصبحت ممارسة عامة.

ومشكلة هذه الثنائية، التي صارت مَرَضيّة، أنها تقفز دوماً إلى الحكم دون مقدمات وحيثيات ودون تحليل رصين ومنطق دقيق.

وهي تستخدم للتقليل من الإنجاز والتهكم والهجاء.

وأخطر ما فيها، إضافة إلى إيذاء الفرد أو المؤسسة أو الفكرة، أنها مُضلله ومحبطة. هي تركيبة ذهنية رجعية تفضي من حيث يدري أنصارها أو لا يدرون إلى شدنا للخلف.

والأمثلة على هذه الظاهرة السلبية المقلقة لا تعد ولا تحصى.

خذ مثلاً حديث الناس عن أي فكرة مجتمعية أو مشروع جديد، مثل مشروع الباص سريع التردد.

منذ بداية الفكرة ولغاية الآن وكثير من الناس يمطرونه بسلبيتهم وتعميماتهم الجارفة وأحكامهم غير المبنية على معلومات دقيقة أو دراسات موثوقة.

في بداية المشروع ثار الناس ضده، وشنوا عليه معركة ضارية سلاحها العواطف والاستعارات المكنية والظواهر الصوتية والعزف على الحساسيات التي هي نفسها خادعة.

ونتيجة للصخب الشعبي والشعبوي والإعلامي توقف المشروع لسنوات، وتم تصويره على أنه مشروع فاسد وغبي وضار.

ولما قيل إنه غير ذلك وباشرت أمانة عمان بتنفيذه شُنت معركة جديده عليه، بأنه سبب للأزمات وعامل في تشويه المدينة وأنه بطيء وموجع للرأس ومسبب للأذى.

ولمّا اكتمل جزء منه وبُدئ باستخدامه، تعرض للنقد مجدداً، بأنه باص عادي وليس كما "تصورنا" وأن المشروع تأخر كثيراً (وهم من أخره طبعاً!!) وأنه لن يحقق المرجو، فهو مشروع فاشل.

لا نقصد هنا الدفاع عن المشروع، فالأيام كفيلة بتمكيننا من الحكم عليه بعد اكتماله، علماً بأن العديد من المعطيات تشي بأنه مشروع حيوي ومهم ويخدم شريحة ستتزايد مع الوقت ومع اكتماله. بيد أننا نسوقه مثالاً على تفشي مرض الحكم بناجح/راسب على الأمور، حتى قبل اكتمالها، والميل إلى الترسيب.

وبعد، فالحقائق نسبية، وقبل أن نطلق الحكم، لا بد من تأسيس حكمنا على دراسة التفاصيل والمعطيات دراسة دقيقة وتحليلها تحليلاً علمياً رصيناً لنصل إلى النتائج السّليمة؛ ولا بد أن نعي بأن الحكم بالنجاح أو الرسوب يكون مبنياً على مبدأ النسبية وليس على الثنائية الحادة إياها، ففي أغلب الأمور يكون النجاح نسبياً، ولا نرى الرسوب إلا في حالات استثنائية.

حالة ناجح/راسب هذه مرض لا بد من التخلص منه، فهو يُحبطنا ويُؤذينا ويَشدنا للخلف.