د. آلاء منصور حمدان

(كاتبة وأكاديمية أردنية)


تباشير فجرٍ لملحمة عشق في الآفاق لاحت بقلم كَتَبَ سطورَ لهب الأكباد، ورسم شموسا تخشى الأفول، وخطَّط لشتاء يُبرِّد الجمرات في القلب، قلم بين أنامل كاتب جعـل مـــاءَ الشِّــــعْـرِ طــــوْعَ شِـماله، وومضة من بحار أنوار العشق، فإذا ما قُرِئت حروفه أخصبتْ روح نزفة لبقايا ظلمة ما زالت تَغشى زُرقة السماء.

هي قصيدة تشدو القوافي بأوراد ذكر العاشقين، ويشقى لأجل الخليل فؤاد القصيد، وترتهن إلى أسرارٍ شُغِفَ بها المتلقي، فهزّه فضول لرؤية ذاك الحبيب.

هو شاعر زرع التيْهَ في غياهب النسيان، ونَثَرَ طيبَ العمر بين طيات حروف «عتبات الشتاء»، ليجد المتلقي نفسه في معركة لم تطلق فيها طلقة واحدة، ولم تُرقْ فيها قطرة دم واحدة، ناهيك عن لهيب نغمات قلبه الذي يــجْــأرُ مــــن لـــظـّـى أحْـــــوالهِ، ليحدث فينا حالةً روحيةً مصطبغةً بصبغته التاريخية الخاصة، بعد أن اضطلع بدراسة تاريخ العرب، وصيّره وسيلة شوق واشتياق للبقاء في دائرة الحياة.

أسامة أبو الغنم جعل من بذور غرس علمه بين طلبته أكسيرا تحيل التاريخ والسّيَر إلى قصص تحيي الأحوال الميتة، ويتغَـنّى بها مَراســيـل الأحـبَّـة، ليُكاشفنا رغمَ صَمْتِ البعدِ معه، ووصالِه الشعريّ الشّحيح عمّا امتلكته سطورُ قصيدته من فلسفة ذات تأثير عميق لحقيقة أن الـحُـبّ في صَـلَـفِ الحياةِ صلاة، وأنّات الـصُّـدور أذانه، والـوِصال قِبلته.

وما هذه المقالة إلا قراءة تستشرف جزءا يسيرا من معماريّة اللغة الشعرية في «عتبات الشتاء» التي كشفت لنا عن بعض أنوار المتنعّم في رحاب الحب عمرا، ولنسمو بفيوضاتها الغزيرة على رتع الأنين، فالراصد لمعجم أسامة أبو الغنم الشعري -وهو ذاك الرصيد اللفظي الذي استعمله- يجد نفسه أمام مجموعة كبيرة من المفردات، وهذا يشي بمُكنة أسامة من القبض على آبار المعجم الشعري، ليتلطّف منه جواهر اللفظ حلوه وعذبه، فأول ما استهلّ به عنوان قصيدته بجمع (عتبة، عتبات) وهي حّمالة لدلالة الخيبات، «فكم عَذَّبَ الحُبُّ روحاً في الهوى وسَـبا، وشتَّتَ القلبَ حيراناً ومضطربا!» إلا أنه يأبى في مضمون نصه أن يغدر به الشتاء فتذرّع بذريعة ما ضَرَّ عاشق أنْ يرتمي شَغَفا في سَكْرةِ الحبِّ، وهي بحدّ ذاتها مفارقة ضدية.

ويعقد أسامة النية في تبيان بعض ظواهرٍ تُومِي بطَرْفِ الحُسْنِ للعشاق من خلال:

- التناص التاريخي؛ فقد تنفّسَ التاريخَ بعمق فألفيناه يثقّف نصّه باستعارات تاريخية، بأن جعل العالم الداخلي للعاشق يشبه نار المجوس المستعرة، فمن يراقب حالة العاشق يعرف أن كلّ أنّة صادرة منه كاللهب تحرق كل مكان تقع عليه.

- الأسلوبية التصويتية؛ تتجلى الموسيقى الداخلية لدى أسامة أبو الغنم في عناصر أساسية هي: التواشج اللفظي المعنوي، والعلاقة الانفعالية بين أصوات الكلمات ومعانيها، والإيقاع المبني على الانسجام والتناظر من خلال عنصر التكرار.

فلم يستخدم الشاعر قافية واحدة في القصيدة، وليست القافية ملزمة في الشعر الحر، وليس مطلوبا من الشاعر أن يكرر قافية ما في قصيدة الشعر الحر، ولغاية في نفس شاعرنا هي إبعاد الملل عن المتلقي، والذي يتأتّى من رتابة الإيقاع حين تتساوى التفعيلات لموضوع واحد للقصيدة، إذ أراد أن يتشبع المتلقي بحب المحبوبة إلى حد الجنون، فلا يغرينه عنها حسن ولا يفتننه جمال، ولنشعر بانعكاس تموجات دفقاته الشعورية على ربوع القلب، مثلما نرى انعكاسات خيوط الشمس على حبابات الماء، وبجسارة رشيقة امتكلها الشاعر تبدت لنا في مقدرته على التنوع في قوافي قصيدته بحيث كانت تتناسب طرديا مع بناء القصيدة ومتفاعلة مع غيرها من المقومات، فكان لتنوعها وتكرارها في مقاطع معينة وضمن مسافات محددة -في نَظَر العاشق المتيّم- أثرٌ موسيقي يسري في جسد القصيدة، وجسد المتلقي كذلك.

وساهمت ظاهرة التواشج اللفظي المعنوي في إحداث موسيقى داخلية عذبة، وفي تركيز معنى مأنوس: هل لبروردة الشتاء أن تُطفئ حرارة اشتياقه؟ وهل لهذه البرودة أن تكون بردا وسلاما بين المتحابين؟

أما العلاقة الانفعالية بين أصوات الكلمات ومعانيها، فهي جزء من الموسيقى الداخلية للقصيدة، المرتبطة بالمواقف الانفعالية المتمخّضة عن تجربة استباقِ الودّ للمحبوبة رغم صرير رياح الشتاء التي هَبَّتْ عليه تبتغي منه العُدول، وقد نتوقع ذلك إلا أنه يفاجئنا بحضور إيجابي من خلال معان لها مذاق -تشغل الفكر من لذّتها- يربطنا بها انفعاليا، وتجعلنا ننجذب وراءها دون أن ندرك السبب، فحينما رأى أن الليل قد حضر وبدأت طقوس انسداله ثارت لديه جذوة قلبه المتّقدة بصورة (انسدال جدائل الحبيبة)، ولفظة (ترانيم) التي طوّعها في سياق (صرير رياح الشتاء)، فهذه الألفاظ تأخذ بُعدها الموسيقي الداخلي من السياق الذي يُطرح فيه، وتُشكّل مصدرَ جذب وارتباطا حميميا بين المتلقي والعمل الشعري الذي هو القصيدة نفسها.

أسكن أسامة هواه المتيّم في رحاب إقاعيّة الموسيقى الداخلية المبنية على الانسجام أو التناظر من خلال عنصر التكرار، فمَنَحَ نصَّه نوعا من الموسيقى العذبة المنسجمة مع انفعالاته في حنينه واشتياقه، وتجلّى إيقاع التكرار في نصه الشعري في ألافيظ فاح عبير عنبرها بين جـُمَله الشعرية، نحو: تكرار لفظة (شتاء) التي ذكرت أربع مرات، ولفظة (المطر) التي تكررت ثلاث مرات، بينما لفظة (الليل) ولفظة (المساء) تكررتا مرتين، وتكرار هذه الألافيظ تجعل من النص يقترب من حالة التشبع، غير أن النص يكسر التشبع ويقاومه من خلال تحوّل دلالة الخيبات في الشتاء إلى دلالة ترانيم تعشق الأذن سماعها، فقد ابتغى الشاعر عند إقرانه لفظة (المطر) تارة في جملة فعلية وتارة في جملة اسمية أن يجعل صدى كلمات عشقه تتردد في أذن المتلقي؛ لأنه أراد أن يبوح بحرارة عشقه بين ما أفادته الجملة الاسمية من ثبوت حبه واستمراريته، والجملة الفعلية التي تفيد معنى حدوث العشق وتجدده، وتَلطّفَ شيئا من كيميائية التنكير والتعريف من خلال لفظة (مساء) التي عرّفها تارة، ونكّرها تارة، إن تكرار هذه الألافيظ جاء معززا للإيقاع الذي يرسم الصورة النفسية بما تشتمل عليه اللفظة من معنى انسجم مع طول الاستعمال مع الصوت، لتتبدى العلاقة الانفعالية بين جرس الكلمة ومعناها.

- الأسلوبية الصرفية في قصيدته، انمازت بالأفعال المضارعة التي كانت أكثر حظوة من الأفعال الماضية، لتضفي على القصيدة بنية معجمية خاصة، فهي تحمل دلالة العشق الذي يُنسي الإنسان نفسه، ويجعله فانياً في معشوقه، فارتكز أسامة أبو الغنم على أفعاله المضارعة لكونها تحمل كينونة الحدث وخلوده، هو لاجئ أمل بذلَ جهدا بأن يجعل العشق بُراق، أهداه الله تعالى له ليصل إلى جنة محبوبته الخالدة في ليالي شتائه الباردة، وبحسب قوانين الشاعر المتيم، فإن ورود أخيلة غير الحبيبة لعينه المتيّمة حرام، وارتكاب هذا الحرام يعني موت العشق، وحياة العشق تكون متواترة ما دام العاشق يرى كل ما حوله أوصافاً لجمال حبيبه.

أما الضمائر، فقد فسيطر عنصر الخفاء على الموقف، وجعل حبه للمحبوبة تكتم نار شوقه لها، لقد تعمد الشاعر إلى إغناء بنية النص من خلال الربط بين قرب المحبوبة وشتاء ماطر خصب بضمير مستتر، ولعلها غيرة خفية بين سطور قصيدته المــُـعلنة أمام الملأ، هو أراد أن يوصل المتلقي إلى طريقه في العشق، وكيف يسيل إلى العوالم الداخلية كإحساس من منافذ العين والأذن والقلب مثلا، وكيف يتجمع هناك كتجمع المياه والسدود، وكيف لهذا الحب أن ينمو ويكبر وينتشر انتشار النار في الهشيم، ويحيط بالإنسان من كل جانب حتى ساعة الوصل.

- الأسلوبية النحوية (بناء الجملة وطبيعتها في النص): تتنوع الجمل في القصيدة بين الطول والقصر، إلا أن الجمل الطويلة كان لها نصيب موفور، ولعل مطمح الشاعر أن يعبر بجُمَل تستغرق أكثر من بيت، فمثلا نجد جملة شعرية استغرقت أربعة أبيات فيها تصوير لحالة ما يضطرم في الفؤاد من العشق، وما تثور فيه براكين أفكاره، بقوله:

"تتزاحم الأفكار على تلك الشفاة

فنصمت

تضيق الروح وتهتز كينونة النفس

ونرتعش

فيأخذني الحنين إليك».

فآثر الشاعر استخدام الجملة الفعلية ليطمْئِن المتلقي أن نار المتيّم متجددة، ولا يفكر في أي مخالفة لمراد معشوقه، بل لا يستطيع ذلك، إذ يرى أن حظّه من تلك الحسناء أنه عرفها، وذلك إحسان به الحمد واجب، وكل كلمة وكل حديث لا يتعلق بها هباء هدْرا، ويعد كل عمل له لا يتعلق بها زندقة منه وإلحادا.

إن «أجرومية التعبير الشعري» لدى الشاعر كانت تُرَتِّل عاطفته لحنا عليلا يسبي العقول ويشوق العيون، فطوبى لتلك المحبوبة التي جعلتنا نحلّق إلى أفق روحها، ودوحة نيّرة مباركة للشاعر الذي أدخل قارئيه في ملكوت العشق.