د.فاطمة نصير

(ناقدة وأكاديمية جزائرية)


تضم مجموعة «ضيوف ثقال الظل» للكاتب الأردني جعفر العقيلي، سبع قصص متقاربة من حيث الطول، وعناوينها بالترتيب: «الرأس والمرآة»، «ضيوف ثقال الظل»، «هزائم صغيرة.. هزائم كبيرة»، «انتصار»، «ضجيج»، «نقوش الراحلين» و"طقوس».

جاءت القصص مسرودة بالضمائر الثلاثة؛ الغائب والمخاطَب والمتكلم. القصص الأولى والثانية والخامسة بضمير المتكلّم، والقصتان الثالثة والسادسة بضمير المخاطب، والقصّتان الرابعة والسابعة بضمير الغائب، ولا يخفى في مجال السّرد بالعموم أنّ اختيار الضمير ليس أمراً ثانوياً ولا اعتباطياً، بل هو من الأركان الأساسية في البناء السردي، فالسّرد بضمير المتكلّم يحيل إلى التقمّص التام لصوت السّارد من خلال الشخصية الأبرز في القصّة، أما ضمير المخاطَب فيحيل إلى حالة اتصال وانفصام في الوقت نفسه بين صوت السّارد والشخصية الأكثر حضوراً، أمّا ضمير الغائب فيوهم القارئ بأنّ الفكرة والحدث والوصف وكلّ ما يُشكّل النّص مكتملٌ في ذهن السّارد، وهو من أكثر الضمائر التي تمنح السارد مساحةً وفضاءً وسلطةً للتحرّك داخل أرجاء النّص/ القصّة التي تبدو للقارئ مكتملةً في ذهن السّارد العليم قبل البدء في فعل السّرد.

• الوصف وتحفيز المخيّلة

برز الوصف بقوة في قصص المجموعة، وامتلك تأثيره عبر إدماج القارئ في أجواء القصّة، من خلال رسم معالم الزمان والمكان، وتعزيز الفعل التشاركي بين السارد والمتلقي الذي يجد في الوصف بوابة للاسترسال في الخيال ونقل اللغة المكتوبة إلى صور متخيَّلة تموج في الذهن لحظة القراءة، وبهذا يكون القارئ عنصراً مهماً في إعادة إنتاج المعنى، بمعنى أنه قارئ تفاعلي لا قارئاً اتّكالياً.

نماذج الوصف في المجموعة القصصية كثيرة، منها على سبيل المثال، ما استهلّ به السّارد قصّة «ضجيج": «وأخيراً أصبح لي بيتٌ، أسكنه ويسكنني، بيتٌ صغير، أنيق، يحتلُّ نصف الطابق الثّاني لبناية حديثة في حيٍّ ناشئٍ على أطراف المدينة، ورغم الجهد الذي أبذله وأنا أقطع المسافة الطويلة من أقربِ موقفٍ يصلُه الباصُ مشياً على بيتي، إلّا أنّ سعادةً كانت تجتاحني كلّما صعدتُ الدّرجات السّت والعشرين، وهممتُ بإخراج السلسلة الطويلة التي يتدلّى منها مفتاح البابِ الخارجي بكبرياءٍ من بين المفاتيح الأخرى».

دقّة الوصف، والاشتغال على رسم التفاصيل الصغيرة والكبيرة، يظهر عنصراً مهماً في تشكيل النّص القصصي، لا سيما أن الوصف كثيراً ما يملأ فراغات محذوفة عن قصد أو عن غير قصد أثناء السرد.

• تشابكات المونولوج وتيار الوعي

يعدّ الحضور الانفرادي أو التشابكي لـ"المونولوج» و"تيار الوعي» من أبرز الخصائص التي تتسلّق جداريات النصوص القصصية المعاصرة، إذ من خلالهما يمنح السّارد فرصةً لحركة الشعور واللاشعور الحرّة المعبّرة والواصفة للذات من الدّاخل من جهة، وتداعيات الذاكرة من جهة ثانية، وكثيراً ما يتشابك الخطّان حدّ الالتفاف المتمظهر في مونولوج يشفّ من خلال ألفاظ قليلة عن معاني كثيرة تموج بها الرّوح، وتحدّدها تأويلات القرّاء كلّ بحسب مستواه المعرفي الذي يسهم في تفكيك الخطابات وتأويلها.

انبثق مصطلح تيار الوعي في الأصل من بوتقة علم النفس، مع جهود النفساني الأميركي وليام جيمس، التي توزّعت في سلسلة مقالات نشرها في علم النّفس الاستبطاني، ثم جمعها وطبعها في كتاب بعنوان: «مبادئ علم النّفس» يُبرز فكرة «الانسياب المتواصل للأفكار والمشاعر في العقل البشري واسترسالها بشكل متواصل».

أفادت الأجناس الأدبية بشكل عام والسرديات بشكل خاص، من مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية المجاورة، لا سيما علم النّفس، على اعتبار أنّ اللّغة تكشف عن دواخل الشخصيات القصصية، وتعبّر عن حاجاتها وآلامها وآمالها وتطلّعاتها، ويمكن الوقوف عند ذلك في مجموعة العقيلي، فأحياناً يتّخذ السارد من تيار الوعي سكّة للاسترسال في توصيف وتصوير الذات من الداخل، وأحياناً يحدث تشابك يصعب فكّه يلتقي فيه تيار الوعي بالمونولوج، ففي الوقت الذي تتحدّث فيه شخصية من الشخصيات عن ذاتها لذاتها، فإنها تسترسل في الوقت نفسه في تصوير ذاتها من الداخل.

كذلك استند السارد في أكثر من قصة إلى تيار الوعي متيحاً المجال للشخوص للتعبير عن ذواتها من خلال المونولوجات المتكرّرة، وكان ثمّة وعيٌ باستخدام كلتا الآليتين، فهما أكثر الأدوات التي يمكن من خلالها فهم الأسئلة الشائكة التي تطرحها النصوص القصصية، ومن أمثلة ذلك ما ورد في المقطع السابع من قصة «هزائم صغيرة.. هزائم كبيرة»، والتي تنهض على المزاوجة بين الهزائم الداخلية والخاصّة، والهزائم الخارجية العامة؛ هزائم في المجالات شتّى تكبّل الشخصية الرئيسية: إخفاقات عاطفية، فشل سياسي، ضعف في التواصل الاجتماعي مع المحيط والأصدقاء.

ومن الطبيعي وسط هذه الهزائم المتعددة أن تظهر مراجعات للذات عبر استرسال السارد في تيار الوعي مصوراً جوانيّة الشخصية، وفي الوقت نفسه مدْرجاً الحوارات الداخلية الموحية، ومن ذلك: «تُسِرُّ لنفسك: ما أوسع براري اللّغة، وما أضيق الممرّات نحو الحقيقة»، ثم يعود السارد لكتابة تيار الوعي بعد خروج سريع من المونولوج فيقول: «ثمّ تتذكّر قول هيثم: أنت غير معنيّ بكلّ هذه الهزائم والانكسارات، أنت لستَ سببها». إنّ استهلال المونولوج بكلمة «تُسِرّ» يشير إلى تعميق داخلية الحوار، وإلصاقه بالذات التي يُفترض أنّها تصغي للصوت الداخلي في لحظة تجلٍّ أو تأمّل أو تألّم أو محاسبة للنّفس..

• صراخ الرّوح واغترابها

أعمق عذابات النّفس اغترابها عن محيطها، وأقسى عذابات الذات وجودها الجسدي وغيابها الروحي بفعل عدم الانسجام مع المحيط والمحيطين وكلّ ما يؤثّث الواقع الذي يعيشه الفرد وقد لا يرتضيه لذاته ويظلّ باحثاً عن الأفضل فيما إحساسه بعد الانسجام يكبر ويتنامى، ويورق همّاً وحزناً يعمّقان الهوّة والصّدع بين الفرد وواقعه.

للاغتراب كحالةٍ تعتري الفرد والجماعة، أنواع منها: الاغتراب النفسي/ الروحي، الاغتراب الوظيفي، الاغتراب الاجتماعي والأسري والاغتراب الثقافي. وقد اهتمّ السيكولوجيون والسوسيولوجيون بتشخيص الاغتراب، وتباحث فيه أهل الفكر والفلسفة. أمّا في الفنّ والأدب فقد مال أصحاب هذين المجالَين إلى تمثّله وتصويره وتجسيده، وبهذا يمكن القول إنّ الاغتراب أقرب إلى الحالة سيكوسويولوجية التي تكون العزلةُ الجزئية أو العزلة الكلية واحدةً من نتائجها الكثيرة.

حضر الاغتراب في مجموعة «ضيوف ثقال الظلّ» بأشكال مختلفة، وفي مواضع متعدّدة، وليس أقرب من تجلّي معنى الاغتراب سوى أن تتقمّصه شخصية قصصية أو شخصية روائية أو ممثل في فيلم أو مسرحية، إذ إنّ تقمّص الحالة يختصر الكثير من الكلام النظري الذي قيل في الظاهرة، ثمّ إنّ الأدب ليس معنياً بطرح حلول للظواهر، ويكفي أنّه مساحة من مساحات طرح الإشكالات الإنسانية والوجودية العميقة، وجعْل الكثير من الأسئلة تطفو على السطح فيما يتمّ تغييبها عن قصد أو عن غير قصد في الحياة اليومية.

من ذلك ما ورد في قصة «ضجيج»، فالشخصية الرئيسية فيها رجلٌ اختار الحياة بمعزل عن الجميع في شقّة بعيدة عن ضوضاء المدينة: «بيت صغير، أنيق، يحتلّ نصف الطابق الثاني لبناية حديثة في حي ناشئٍ على أطراف المدينة.. لم يسبق أن كان لي بيت كهذا، أو كغيره، فمنذ أعلنتُ تمرُّدي على العائلة وأنا (ابن شوارع) كما يصفني أصدقائي».

إن عدم تقبل العائلة والميل إلى العزلة، والابتعاد عن ضجيج المدينة، والرغبة في الانفراد بالذات وصحبتها أكثر من الآخرين مؤشرات تبرز اغتراب الشخصية، وقد ورد ذلك في خطاب صريح في ثنايا النص في أحد المونولوجات، لا سيما أنّ المونولوج يَكثر حضوره لدى الشخصيات التي تعيش حالة اغتراب، فالمونولوج في كثير من الأحيان بالنسبة للشخص الذي يعيش حالة هو بمثابة صراخ الروح: «(ما أشدّ وطأة العزلة التي اخترتُها بإرادتي)، هجستُ وأنا أقاسي وحدةً تزداد كلّ صباح، وألَـحّ عليَّ السؤال: هل من عاقلٍ يختارُ منفى ليستأنف حياته فيه؟». بل تلك العزلة التي اختارها عمّقت اغترابه وصار يتمنى لو جاورَ مجموعة عائلات بدل عائلة فقط، ليزعجوه بأصواتهم وضجيجهم فيشعر بوجوده في منظومة العالم كفرد يخشى التآكل والتلاشي بفعل الاغتراب والعزلة التي اختارها: «تمنيتُ أحياناً لو أنّ لي جيراناً كبقية النّاس، يقضّون مضجعي في ليالي وحدتي، يؤنسونني بشجاراتهم الصغيرة وأصواتهم الهادرة في سهراتهم المكتنزة بالثرثرات، وياما ابتهلتُ: لو يا ربّ تمنحني جاراً واحداً، أسمع صرير بابه حين يدخل بيته أو يغادره، لأتأكّد أني ما زلت في سجلّ الحياة لا على قيد عزلةٍ تتغوّل فِيّ وتلوّن أيّامي بقتامة لم أعد أحتملها».

كثيراً ما تكون الشخصية التي تعيش حالة اغتراب، تعي مأساتها، فالاغتراب بوصفه حالة نفسية بالدرجة الأولى غالباً ما يصاحب حالات ارتقاء الوعي وارتفاع منسوبه لدى الشخصية: «أدركت أنّني وقعتُ في ورطة، فماذا لو كنتُ أسكنتُ معي شخصاً واحداً فقط أقول له: صباح الخير أو مساء الخير، أنتظر عودته كي أشعر أنّ هناك من يشاركني الحياةَ، وأستعجلُ خروجه كي أتنعّم بوحدةٍ قصيرة الأجل. لماذا لم أخْتَرْ شقّةً في عمارة يشغل الساكنون بعضها. كنت سأتعرّف إلى ذاتي جيّداً في لجُّتهِم، بدل أن أضيّعها/ أضيِّعني هنا، في غبشِ سكونٍ يُطبقُ على ضلوع المكان».

عزلةٌ وضياعٌ وسؤالٌ عن حقيقة وجود الذات من عدمها، وصراخ الرّوح وأنينها المنبثق من المونولوج والاسترسال في كتابة تيار الوعي، كلّها صور لتمثيل اغتراب الشخصية الحاد، وبروز وعي الشخصية بحالتها المتأزّمة: «أدركتُ أنّني وقعتُ في أزمة». بل إنّ هذه الشخصية وفي عمق اغترابها توصّلت إلى فكرة أنّ الفرد لا يكتشف حقيقة ذاته بمعزل عن الخوض في معترك الحياة التي تضطره لمخالطة أصناف بشرية متعددة.

حدّة الاغتراب أدّت بالشخصية الرئيسية في قصة «ضجيج» إلى الشعور بتهيؤات وأصوات غريبة في أرجاء البيت الانفرادي، لكن الوعي الذي تمتلكه هذه الشخصية قادها إلى تدارك الأمر والاعتراف بأنّ الإنسان «كائن اجتماعي بطبعه»، وإن حُبِّبت إليه الوحدة والعزلة في أحيان كثيرة.

كذلك يمكن عدّ القصة التي حملت المجموعة عنوانها «ضيوف ثقال الظل»، نصّاً يبحث في تشتّت الذات واغترابها، من خلال الدوامة التي عايشتها الشخصية الرئيسة، بعد انتقالها من هدوء القرية إلى ضجيج المدينة، وما فرضه عليها العمل من التعرّف على أشخاص كُثر يومياً، كان بطل القصة يدوّن عناوينهم وأرقام هواتفهم في دفاتره التي صارت تعجّ بهم، وصار يراهم كأرواح متحرّكة، لكن من دون جدوى، فهم كما شبّههم «ضيوف ثقال الظل»، بل صار يفكّر في التخلّص منهم: «خلاصة الأمر أنّني سئمتُ الساكنين غير المرغوب بهم، وصار حلمي أن أعود كسابق عهدي إلى القرية، حيث قلّة من الأصدقاء الحقيقيين، ولهذا أؤكد للمرّة الأخيرة؛ كان الأمر يتطلّب قراراً جريئاً كالذي اتّخذته، لأتخلّص من الضيوف ثقال الظل الذين سكنوا أوراقي وأرهقوني في حشر أنوفهم في حياتي والتطفّل عليّ من دون استئذان».

إنّ عدم انسجام بطل القصة مع واقعه الجديد، وحنينه لحياة الماضي ولأصدقاء قلّة حقيقيين بدل أصدقاء كُثر لكنّهم قلّة أو نادرون وقت الحاجة، هم بمثابة «ضيوف ثقال الظل».. كلّ ذلك وغيره ورد في هذه القصة التي جاءت بضمير المتكلّم حيث التداخل الكلّي بين الشخصية الرئيسية والسارد، كما تخلّلها المونوج الذي كاد يكون حاضراً في جميع نصوص المجموعة.

• الرّفض في ثوب السخرية

السخرية في الأدب وجهٌ من وجوه الرّفض، ووجهٌ من وجوه الفضح كذلك؛ رفضٌ لواقع مكرّس وفضحٌ لظواهر يحاول الكثيرون تكريسها وجعها تأخذ صفة الحدث العادي أو أفضل من العادي. والسخرية أسلوب قديم جديد في الكتابات الأدبية، وقد تسلّلت إلى السّرد بوصفه فنّاً ونمطاً كتابياً مقروءاً ومرغوباً وله من الخصائص ما يجذب المتلقي إذا ما أحسن السّارد استخدامها وتوظيفها في بنية نصوصه.

إن نجاح السخرية الأدبية يكمن في التلميح، وفي الابتعاد قدر الإمكان عن الأسلوب المباشر، ثمّ إنّها تطرح إشكالاً يخصّ معضلات، ويتجاوز تعيين الأشخاص، فالمسائل المراد فضحها والإشارة إليها ورفضها لا تتوقّف عند حدود الشّخصنة، بل تذهب بعيداً إلى أصداء الظاهرة وآثارها وندوبها التي تتسع بالصمت وبالتكريس رويداً رويداً.

يأخذنا السارد في قصة «طقوس» إلى أجواء الكتابة وطقوسها المصاحبة، إذ يباشر نصّ القصة بمونولوج يحمل الكثير من التطلّعات لنص قصصي لم يولَد بعد. يقول بطل القصة بينه وبين نفسه: «ستكون قصّة مُدهشة، بطل استثنائيٌّ يحسدني القرّاءُ عليه أو يحسدونه عليّ، حوار شيّقٌ، حبكة محكمة، وأحداث تتشابك، تتصاعد وتيرتها إلى ما بعد الخاتمة».

وتتواصل سرديات طقوس الكتابة من نفث سجائر كثيرة، وشرب فناجين قهوة مرّة متتابعة وتجوُّل في حديقة ذات أشجار مزهرة والانتشاء بشذا عطرها، وإصغاء لموسيقى وتأنّق وغير ذلك ممّا يغرق فعلَ الكتابة الإبداعية في الشكليات والطقوس ويفرغه من محتواه بوصفه فعلاً ناتجاً عن ثقافة عميقة، وعن قلق وامتلاء بضجيج أسئلة حقيقية لا مفتعلة: «الموسيقى السّحرية، الموسيقى العذبة، القهوة المرّة، القلم الفاخر، الورق النّاعم، أشعّة الغروب المتسرِّبة كشلّال، السّيجار الفخم، وأناقته التي أسرف فيها كأنّه على موعدٍ مع حبيبته».

كلّ تلك الطقوس وغيرها لم تكن لتجلب الإبداع الذي في الأصل ليس شكليات، بل هو أعمق من ذلك، ويعزز سرد تلك الطقوس السخرية من الكاتب الذي يهتمّ بالمظهر أضعاف ما يهتم بالجوهر، وتأتي النهاية لتعمّق هذه السخرية وتؤكدها: «وما إن هَمّ بكتابة كلمته الأولى، حتّى خيّم الصمتُ عندما توقفت أسطوانة الموسيقى عن الدوران، احتقن وجهه بالغضب، وثار في وجه الفراغ، ألقى القلم بعيداً وضرب الطاولة بمقبض يده، فانسكبت القهوة فوق الورق الذي انقضّ عليه الكاتب الوسيم، ومزّقه كما لو أنّه ينتقم، وكبطلِ فيلم سينمائي مهزوم خرج إلى الحديقة، مؤجّلاً الكتابة إلى أن تتهيأ لهُ طقوسُها من جديد!».

هذا المقطع الذي اختُتمت به القصّة كان بمثابة تهشيم لكلّ تلك الطقوس المليئة بالشكليات والفقيرة للمضامين، والتي يعتقد الدخلاء على عالم الأدب وفاقدي المواهب الإبداعية أنّها طقوسٌ سحرية، ستحوّلهم في طرفة عين إلى كتّاب كبار لا يشقّ لهم غبار في فنون القول وأصناف الكتابة.

• على سبيل الختام

"ضيوف ثقال الظل» مجموعة خفيفة الظل، عميقة الدلالات، تكتنز نصوصها بالرؤى والأفكار والتأمّلات التي ضغطها الكاتب في ألفاظ قليلة، وترك للمعنى مجالاً ليفيض في شعاب النصوص، ومن فائض المعنى يمكن للقراء أن يقرأوها ويستقبلوها ويؤولوها باختلافٍ وتباين، فشساعة رقعة المعنى تتيح التفكيك، وتمنح تعدّد الاختيارات في التأويل المستند إلى أدوات نقدية من شأنها أن تكون المساعد الأول للدخول لبنيات النّص واستنطاقها.