حاتم عبدالهادي السيد

يخاتل الروائى وليد علاء الدين منذ البداية القارىء، ليجذبه لقراءة هذه الرواية الشاهقة (الغميضة) فيقول في تحذير: «هذه ليست رواية بل مسرحية خبأتها في جسد رواية، لقد خدعتك، يمكنك أن تقرأ لتكتشف بنفسك، أو انزع هذه الصفحة وأهدِ الكتاب لصديق.. تمنيت خداعة». ولعمري فهذه بداية جيدة تجعل القارىء لا يترك الرواية مطلقاً. ثم يجيء الإهداء المفارق: «إلى وجه الإنسان وهل هناك غيره؟!!.»...«إلى توفيق الحكيم، أو إلى حماره، أيهما أقرب إلينا اليوم.

وتبدو فانتازيا السرد الحكائى المذهل الجميل، الذى يستلب كل أحاسيس القارىء ويجذبه من عنقه ليخش في الحكاية، ويشارك في صنع الأحداث السيموطيقية السيميائية العجيبة، كما نلحظ عدم وجود » فجوة » أو بؤر للترهل، فهو سرد مسبوك، لا يمل القارىء منه، لنه مطعم بتساؤلاتن ومواقف، وأحداث سريعة وكتلاحقةن وحقائق وأوهامن وقصص وحكايات، وتساؤلات متعددة،، بل والجديد وجود أحداث جانبيةن وشخصيات ثانوية تظهر وتختفى كالجارية، والأمير، والشيخ، والجالس على المقهى، وصاحب قناع الثعلب، والغوريلا، والأولاد الذين يلعبون بالكرة تحت أقدام المنصتين لحكاية المزدوج، أو لقصص الشيخ وائل رجل الدين عبر حواريته التاريخية الحداثية مع شخصية » س» ذلك الرجل الذى يحدثه من داخل اللاب توب والذى عراه بعلمه، أمام شتائم الشيخ له بأمه، وسبابه المتلاحق، والكاتب مع كل تلك التواشجات والتخالطات رأيناه يمسك كخبير عارف بجوهر السرد المتدافع الجميل الشاهق، عبر الواقعية السحرية ومعادلاتها الضمنية والموضوعية والفنتازية والتاريخية واسقاطاتها على الواقع عبر السرد السيميائى المائز والفريد أيضاً.

ولعلنا نلمح صوت العلم، عبر حوارية الشاب الذى يكذب المزدوج، لينهى دوره بتبيان كذبه، فهو لا يقص حكايته الشخصية، بل يروى لهم حكايات ألف ليلة وليلة، ولقد جاء بالدليل فأكمل القراءة لهم من اللاب توب ليكشف كذب المزدوج من ناحية، وليحيلنا بعد ذلك إلى قضية أخرىن ومع وجود دفاع من المزرودج ومريديه لأن الفتى أخذ مكانه: «رجل في قناع مخيف يخاطب الشاب: » هوا انت كل مرة ياجدع تطلع لنا بالبتاع دا هو !، مشيراً إلى اللاب توب، وتبوظ علينا الحدوتة ». إن الكاتب هنا يكسر جوقة التاريخ بتعدد أزمنة السرد،عبر سيميائيته، وأزمنته المتعددة. يقول: «ناولته المبرقعة صرة فأخرج ماكينة النقود الاليكترونية والمبرقعة مندهشة من تغير الزمان وكأنه يقتحم التاريخ القديم ويعيد انتاجيته، أهل الكهف، صاحب الحمار في القرآن أماته الله مئة عام ثم بعثه،حمار توفيق الحكيم كما في الإهداء- أيهما أقرب–جاريتها أخرجت من جيبها بطاقة ائتمان ليمزج الأزمنة في الأمكنة ويماهى بالسرد السيميائى الساحر، وبالصراع بين القديم والجديد: المزدوج والشاب والمقنعة والجارية،والمهرجون الذين وصلوا والبلياتشو،لتخاف الطفلة من جديد عبر تشابكات الأحداث المتداخلة السريعة المبهرة.

وفى فصل/ مشاهداتية: «جوز ولا فرد» نرى الضاحك والباكى، عبر أقنعة المسرح السردية/ تماهى الأزمنة/ تداخل الأمكنة/ الموضوعات/ التراث/الراوى الشعبى/ الحكواتى/ الصورة والظل/ مسرح الفرجة الشعبية/ الريف المدينة م صراع القديم/ الأصالة/المعاصرة/ هروب الأطفال/ البلياتشو/ المزردوج يتوارى خلف الصفوف ليختفى دوره ويسمى عبر المثل: أبو وشين لتتقدم شخصية «المتعدد»، الذى يدلل إلى زمانية اخرى وحكاية متغايرة، فنرى الرواية البصرية/ التشكيلية التى يجيد فيها رسم ملامح الشخصيات والمكان والأحداث، دون أن نمل، بل يستخدم تقنيات المفاجأة، وسرعة رسم المشاهد عبر تباديل وتوافيق سريعة ومتلاحقة ؛لدراما السرد التراجيدى، الكوميدي الساخر، والذى يجسد أزمنة متعددة للسرد عبر تدافع الموضوعات للحكى الرامز والمتراكم والإحالي إلى مرموزات الواقع والذات عبر تشاركية الجمهور وادخاله في الجوقة المسرحية/ الروائية عبر الولوج عبر الزمان إلى فلاش باك العصور/ فانتازيا السرد السيميائى ومعادلاته الرامزة بحمولات وطاقات المثيولوجيا والتراث،وتعيد انتاجية ممارسات الإنسان عبر التاريخ، والعصور المتعاقبة، لذا رأينا الأقنعة تكشف عن وجوهها الحقيقة المختبئة خلفها: قناع الحمار المظلوم تاريخياً، قناع القرد،قناع العصفورة،قناع الحصان، قناع الثعلب–حيث الثعلب هنا على غير ما علمناه–مخلوق صريح له وجه واحد، وليس ماكراً،قناع الأسد الذى أبدى اعتراضية على المتعدد بقوله :قناع الثعلب لماذا تعتبره صريحاً، وأنت ترفض صاحب الوجه الواحد؟ فأجاب المتعدد لأنه حيوان.

وتعكس الرواية رؤية الكاتب الذى يؤمن بأن: «الوجه مرآة المشاعر والأفكار عبر الحياة ومسرحها الكبير، واختلاطية الأمور،وصراع التنابذ بالألقاب عبر مسرح الجنون والعبث: «يدخل ايقاع أغنية أحمد عدوية وترقص البنت مع الولد والجميع في فنتازيا ساخرة لإخفاء مماهاة السرد الساخر المنتقد للأوضاع العامة بين الحقيقة والمخيال، وبين الصورة والقناع، حيث حديث المتعدد: (يا جماعة يا جماعة نحن هنا لنتعلم لنتعرف على كل وجوهنا، ونستخدمها بشكل صحيح... صاحب الوجه الواحد مثله مثل لابس القناع، وصاحب الوجهين إما أنه فشل في الوصول لحالة انسانية تسمح له بترجمة مشاعره على وجهه، وإما أنه اختار ألا يصل للإنسانية، نحن خلقنا بوجوه كثيرة، الأدق بوجه قادر على التعبير عن وجوه كثيرة، تظهر في حالات كثيرة، ليس لتحمينا، إنما أيضاً لتحمى الآخرين. هذا هو الوجه الإنسانى، وجوهنا أعقد وسيلة تواصل في الكون.... نحن أعنى الإنسانية، فهل نحن مستعدون للتخلي عن القناع؟). أجابوا: نحن مستعدون.. ولعلنا كذلك في مسرح «كليلة ودمنة» عبر الراوى العليم الذى يوجه مسيرة السرد من بعيد، دون ان يتدخل في الأحداث، يقول: «يسمح لنا موقعنا من الحكاية رؤية المهرج والباكي ينسحبان بعد أن رأيا اتحاد القوم». ولنلحظ أن كل التفاصيل التى يراها الطفل في حلمه هى الواقع، النقاب ونائبة مجلس الشعب.. ليست المشكلة في لبس النقاب، ولكن في المجتمع وتفكيره، وليس منعه فهو حرية شخصية، ولكن تنظيم ارتدائه في الأماكن العامة، لتبدأ حكاية جديدة حول النقاب وشرعيتهن ودور رجال الدين في استقطاب الشعب، ودور العلم والدولة المدنية في تنوير المجتمع وغير ذلك، والذى رأيناه في صراع الأب وابنته المتعلمة مع الشيخ وائل: كفاية عليكوا حاضرنا اللى أفسدتوه سيبوا لنا المستقبل نزرع له شوية نور». ولقد رأينا النهاية الجميلة والتي تمثل دائرية السرد ليعود بالمسرواية إلى جوقة النور والأطفال/ المستقبل، البراءة/ الحلم/ ليشكر الطفل الطفلة لأنها علمته اللعبة الجديدة «لعبة وشى في وشك»، وهو قد حكى لها عن الأحلام التى تراوده، وكل ذلك داخل محل اللعب ن وكأننا امام رواية كونية/ ما بعدحداثية، استخدم الكاتب فيها لغة المسرواية – دون تراتبية- ليعيد انتاجية الحياة وفطرتها، ويعرض لنا مشاكلنا/ ذواتنا/ مجتمعاتنا الجميلة والقبيحة عبر لعبة الأقنعة، وعبر السرد الذى يمازج بين الحقيقة والحلمن والغرائبى والواقعى لتجسسد لنا رواية تجدد في مسيرة السرد العربى وتفتح المجال لسرد ما بعد حداثى كونى، عالمى، شاهق، وباذخ، سيميائى، وسيموطيقى حالم وأثير.

وفى النهاية: نحن امام كاتب مابعدحداثى، عالمى، كونى، يعيد انتاجية المسرواية في قالب روائى حياتى متجدد، أو انه يقدم » مسرح الرواية» بشكل فنازى ساخر، واقعى، عبر المخيال، وحالم، ليهرب من قيود الواقع، ويفسح مجالاً لتثوير المنتوج الإبداعى العربى عبر هذا الشكل الجديد الذى رأيناه مغايراً لكل أشكال السرد الروائى العربى، والذى تتشابك فيه السينما مع المسرح مع الفنون التعبيرية، بل والعلوم النفسية، عبر تداخل الأزمنة، وتلاشى واندغام المكان في الزمن، فهو يصنع تراجيديا الذات عبر الملهاة والمأساة، الضاحك والباكى، وعبر لعبة تبادلية الأدوار، السلطة واللصوص، والحكام والشعب، والواقع والمخيال في رؤية ادهاشية سردية تنتضم الفنون في عقد السرد المضىء المستنير الرامز، وتشرك القارىء في اللعبة السردية عبر تعدد مستويات اللغة واللهجة، وأقوال الشخوص، لنرى ابداعاً ما بعد حداثياً، ونرى تجديدية في مسيرة الرواية العربية العالمية الكونية الشاهقة.