تبدو الإدارة كما الدبلوماسية الأميركية في حال غير مسبوقة من التردّد والارتباك, خاصة بعد فوضى الانسحاب/الهزيمة التي لحِقت بها في أفغانستان, وهو ما تعكسه مواقف وتصريحات المسؤولين الأميركيين، إن في طاقم البيت الأبيض أم خصوصاً وزارة الخارجية التي يُواصل وزيرها بلينكن إطلاقَ المزيد من التصريحات الغاضبة، المحمولة على ثقافة «أوامِرية» يتوجّب على دول عديدة تنفيذها، تحت طائلة النبذ والمقاطعة وصولاً الى فرض عقوبات, جراء خروجها على النصّ الأميركي المرسوم غير المسموح تجاوزه.

نجحت واشنطن بنحت مصطلح «المجتمع الدولي» وتكريسه, عبر مساعيها لبسط هيمنتها على العالم خاصّة بعد انتهاء الحرب الباردة وتفرّدها في القيادة، حيث بات لا يعني سوى أميركا والدول الغربية/دول «العالم الحرّ» كما يصف الغرب نفسه، فيما يتمّ حرمان غالبية دول العالم من بطاقة مجتمع كهذا. وهو ما نشاهده حال حدوث أزمة إقليمية/أو دولية إذ تصّطف الدول الغربية الثلاث دائمة العضوية في مجلس الأمن، أميركا, فرنسا وبريطانيا معاً، محتكرة لنفسها النطق باسم «المجتمع الدولي»، آمرة الجميع الوقوفَ ضدّ الذين يحاولون تعريض «الأمن والسلم الدوليين» للخطر، كمصطلح لا يعني سوى تأمين المصالح الأميركية والغربية بالضدّ من مصالح وإرادة الأغلبية الأممية، خصوصاً في الجمعية العامة للأمم المتّحدة/ومجلس الأمن, الذي تُواجه الدول الغربية وخصوصاً أميركا قراراته بالفيتو. ولم تكن الحرب الأميركية/البريطانية على العراق 2003، سوى الدليل الأكثر سطوعاً على إزدرائها لهما.

المستر بلينكن وأمام جلسة الاستماع في الكونغرس قبل يومين طالَبَ باكستان بـ«الانحياز للمجتمع الدولي»، وعدم الاعتراف بالحكومة الأفغانية ما لم تُلبِ حركة طالبان توقّعات «المجتمع الدولي» منها, مستطرداً، أنّه «يجب» أن نُصرّ على أن تلتزم «جميع» دول العالم بما في ذلك باكستان، بما يتوقّعه المجتمع الدولي من حكومة طالبان قبل منحها أيّ شرعية أو أيّ «دعم». مُحدّداً في طليعة هذه الأولويات.. وفاء طالبان بـ«وعدها» السّماح لأولئك الذين يريدون مغادرة أفغانستان بأن يفعلوا ذلك، واحترامها حقوق النّاس والأقليات ومكافحة الإرهاب..

ثمّ غمَز من قناة «باكستان» التي يبدو أنّها باتت في عين عاصفة أميركية مُقبلة، تستهدف ضمن أمور أخرى, صرف الأنظار عن التداعيات المتدحرجة والجدل الداخلي الدائر حول الانسحاب الفوضوي. إذ لفت بلينكن إلى أنّ المواقف الباكستانية كثيراً ما كانت «مُضرّة» بالمصالح الأميركية، لكنّها في «بعض الأحيان» كانت مفيدة لها.

مكشوفة المحاولات الأميركية الرامية الطمس على جديد حقيقة وطبيعة العلاقات الأميركية الباكستانية الراهنة، ليس لأن باكستان خرجت الآن كـ"أكبر» المستفيدين من عودة طالبان إلى الحكم، وإنّما أيضاً لأنّ علاقات واشنطن/إسلام أباد قد دخلت مرحلة من التوتر بل أسوأ مراحلها, كون إسلام اباد «باعت سيادتها مقابل الاستثمارات الصينية» على ما قاله موقع «ناشيونال انترست»، ما يُؤذن بحدوث قطيعة في علاقات البلدين. وهو ما طبع تلك العلاقات حتّى قبل الانسحاب الأميركي بل قبل انخراط واشنطن/ترمب في مفاوضات مع طالبان الإرهابية, انهت اتّفاق 29 شباط 2020، الذي نصّ على أنّ الطرف الأفغاني يمثّل «إمارة أفغانستان الإسلامية».

ما قصدناه.. هو «الانقلاب» الذي حصل في الموقف الأميركي من «الهند», التي باتت حليفة كبرى للولايات المتّحدة وترتبط بعلاقات تنسيق/عسكري/سياسي ودبلوماسي مع حلف متنامٍ معادٍ للصين، يضمّ اليابان وكوريا الشمالية والفلبين وفيتنام، كما عقدت الأخيرة صفقة عسكرية مع اليابان لتزويدها بمعدات وأسلحة عسكرية ولوجستية, ما همّش دور باكستان التي لعبت دوراً حيوياً في المشروع الأميركي/بمشاركة بعض العرب... لتشكيل مجموعات «المجاهدين» الأفغان/والعرب لدحر «الملحدين السوفيات». وبقية القصة معروفة إن لجهة تمرّد تنظيم «القاعدة» على صانعيه وارتكابه غزوَتَيّ نيويورك وواشنطن، أم لجهة رضوخ واشنطن بجلوسها مع حركة إرهابية/ظلامية مثل طالبان.. ألحقت به عاراً فاق في تداعياته هزيمة فيتنام المذلّة.

الـ«الوصفة الأميركية» لكيفية انحياز دول المعمورة لـ«المجتمع الدولي» باتت معروفة’ وبمقدور من يرغب/رغم أنّ الاختيار غير متاح غربياً, الإلتحاق بالعالم الحرّ الحريص على نشر قيم الحرية/والديمقراطية/وحقوق الإنسان، خصوصاً حقوق النّساء والأقليات العِرقية/والطائفية/والمذهبية وِفق القراءة الأميركية الحصيفة, التي «تُجرِّم» خيار القوة وشنّ الحروب وتدبير الانقلابات ولا تُبرّر جرائمها وارتكاباتها، خصوصاً أن أميركا لم تتردّد في.. محاربة المحكمة الجنائية الدولية وفرض العقوبات على قُضاتها، والإنسحاب من مجلس حقوق الإنسان الأممي ومُنظمة اليونسكو.

kharroub@jpf.com.jo