مثلت المؤتمرات الوطنية، أطراً للعمل السياسي في عهد الإمارة، ووضعت مطالب الاستقلال وعناوينه، على قائمة الأماني السياسية التي تحققت مع الاستقلال.

وإلى جانب هذه المؤتمرات، وما أسست له من حراكٍ سياسي، برزت في عهد الإمارة المعارضة الأردنية، خاصة بعد إعلان معاهدة 1928م الأردنية البريطانية، والتي جاءت لتكبل البلاد في نشأتها الأولى بالتزاماتٍ تجاه الانتداب.

لذا، فإنّ المعارضة لهذه المعاهدة نشطت، واستطاعت إقناع أعضاءٍ في المجلس التشريعي الأول، الذي انتخب عام 1929م بالامتناع عن التصديق على المعاهدة، إذّ امتنع أربعة أعضاء عن التصديق على المعاهدة مع بريطانيا.

وأدى إحجام النواب الأربعة، في المجلس التشريعي الأولى، إلى حل المجلس عام 1931م، وأجريت انتخابات المجلس التشريعي الثاني في العام نفسه، وقد استطاع الشيخ حسين الطراونة وعادل العظمة من تحقيق الفوز في هذه الانتخابات، ومثل وجودهما طيفاً من المعارضة.

إنّ المجلس التشريعي الثاني بقي حتى عام 1934م، وشكّل هذا العام نقطة تحوّل من الحكومة، والانتداب، إذّ أصبح التعامل مع المعارضين أكثر خشونة، ما أدى إلى رحيل العديد منهم إلى خارج الوطن، ومن بين هؤلاء المعارضين وأبرزهم الدكتور صبحي أبو غنيمة الذي كان يلقب عميد المعارضين الأردنيين.

لقد شكلّت المعارضة، إثر هذا التعامل الخشن أطراً في الخارج، وأصبحت دمشق المكان الرحب لها وبدأت بنشر المقالات والكتب.

غير أنّ هذه المعارضة، ورغم وجودها بالخارج، وهجومها الخطابي على الحكومة، وسياساتها، إلا أنها بقيت على صلّة مع الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين (الأمير آنذاك).

وتشير الوثائق، إلى عشرات الرسائل المتبادلة بين الملك المؤسس وعميد المعارضين الأردنيين الدكتور صبحي أبوغنيمة، وهي زاخرة بالحوارات السياسية التي تنم عن قيم عالية في حرية التعبير واحترام الرأي والشفافية والصراحة.

إنّ هذه الصيغة، وهذه الصلّة، ما بين الملك المؤسس والمعارضين، أسست وأرست قاعدة أردنية فريدة، في زمانٍ باكرٍ، ذلك أنّ مؤسسة العرش بقيت فوق أيّ خلافات أو اعتباراتٍ وتوجهات، كمؤسسةٍ جامعة للأردنيين كافة.

وبقيت المعارضة الأردنية سلمية، تنتقد الأداء الحكومي، وهو أداء تركزت مطالبه في عهد الإمارة، على معارضة المعاهدة الأردنية البريطانية والمطالبة بإصلاح الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

ومن أبرز محطات المعارضة عام 1946م، عندما طالب الدكتور صبحي أبو غنيمة ومعه عدد من المعارضين، وهم: علي مسمار، عبد الرحيم الواكد، سليمان النابلسي، صبحي زيد، ميخائيل حنا خوري، أمين الخصاونة، محمد القرعان، صلاح طوقان، ميخائيل هلسة، وصفي ميرزا وشفيق رشيدات، بتأليف (الحزب العربي الأردني) وكان ذلك بعد إعلان الاستقلال في 25 أيار 1946م، ومن الأسباب الموجبة التي أوردها أنه وبمناسبة العهد الجديد ومظاهر الحرية والاستقلال الناجز الكامل فإننا نتقدم بتأسيس هذا الحزب.

وجاء الرد من مجلس الوزراء بعدم الموافقة على طلبهم، لكن المؤسسين أصروا على تأسيس الحزب، واعتبروه قائماً وانتخبوا أبو غنيمة رئيساً له، وبقيت المعاهدة البريطانية وتعديل الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات من أهم المحاور في بيانات التيار المعارض.

لكن، بعد وحدة الضفتين، أخذت المعارضة منحى آخر، وذلك بسبب دخول الأحزاب العقائدية إلى البلاد، حيث إنه قبل ذلك لم يكن في شرقي الأردن أحزاب عقائدية بالمعنى التنظيمي، وأصبح هنالك الشيوعية والقومية والإخوان المسلمين، وأصبحت المعارضة أكثر خشونة في تعاملها مع السياسات الحكومية، وهي أحزاب بدأت تنشط في عقدي الخمسينات والستينات، مدفوعة بأحداث على رأسها الحروب مع إسرائيل، والثنائية القطبية.

وكان أسلوب التعامل مع هذه المعارضة، يشتد أحياناً، ويتعرض أفرادها للاعتقال، وتصف إحدى الوثائق سجن الجفر الصحراوي، حيث كان يتم تصنيف المسجونين فيه حسب انتماءاتهم السياسية، كقوميين عرب أو بعثيين أو غيرهم.

ومن بين الأحزاب التي أخذ نشاطها يشتد لاحقا: حزب البعث والشيوعيين، والحزب الوطني الاشتراكي، ومن أشهر الحزبيين الذين نشطوا ونجحوا في تسلم مواقع حكومية، رئيس الوزراء سليمان النابلسي، بالإضافة إلى قاسم الريماوي، والذي كان وزيراً للخارجية وكان بعثياً.

أما من بين الأسماء الأخرى المنتمية للتيار القومي العربي: حمد الفرحان، ووديع حداد، وصالح غوشة، بالإضافة إلى البعثيين كمنيف الرزاز، وأمين شقير، وحافظ عبدالهادي، ونشأت المصري، وبين الشيوعيين برزت أسماء مثل: توفيق محادين وفائق الرواد، وطلعت حرب، وغيره.

ختاماً، دائماً ما مثلت المعارضة الأردنية، في أسلوب عملها، وخطابها السياسي، حالة فريدة، وهي حالة جاءت نتيجة قيادة وحكمة ملوك بني هاشم، التي استوعبت جميع الفاعلين السياسيين، إذ انخرط معظمهم في الحكومات، وأتيحت لهم الفرص عبر هذه المشاركة ليخدموا الأردن.