عمان -  شروق العصفور

عرفه كل من عاصره «مبدعا، رقيقا، مهذبا، نبيلا، مفرطا في الأحاسيس، متواضعا، عروبيا»، هو الذي ترك رحيله المفاجئ مساحة من الحزن في الأوساط الرسمية والشعبية. فقد كان أحد رموز الثقافة العربية، لا سيما أنه كان يعد علامة فارقة ليس في المشهد الشعري الأردني حسب، وإنما الثقافي والإعلامي العربي، من خلال إسهامه في بناء الوجدان الثقافي والوطني عبر رؤيته الشعرية الوطنية والعروبية التي استقاها من ينابيع الأصالة والقيم الراسخة للإنسان الأردني المعطاء.

إنه الشاعر والوزير والإعلامي والفنان والإنسان جريس سماوي، الذي انطوت قصائده على رؤية للمكان بوصفه نصا ناجزا لبلاد الشام، مستمدا قصيدته -وهو المسيحي- من مرجعيته العربية على امتداد حوران وبلاد الشام، ليترامى نصه بين ضفتي النهر وجناحي الأردن وفلسطين مقتربا من مساحات عرار وفضاءات صديقه الشاعر الفلسطيني محمود درويش التي يسميها «جغرافيا الحلم». ورغم تمرد نصوصه، إلا أنه «كان يحرص على أناقته، وخفوت صوته، محبا للحياة، وهو لم يقترن برفيقة درب، رغم أن الأصدقاء يطلقون عليه كنية (أبو حنا) على اسم والده الشاعر وعازف الر?ابة».

كان سماوي أيضا «فنانا بحسه، يرسم لنفسه وأعماله التشكيلية تشبه قصيدته، مليئة بالرموز التاريخية والأساطير التي تخص المنطقة، كان يشجع الفن ويتابع الكثير من المعارض، وله رأي نقدي مهم في العمل الفني».

نعته الأوساط اللرسمية والثقافية بالقول: لن تكون هناك «زلة أخرى للحكمة»، فالأموات لا يخطئون.. رحل جريس وهو يردد كلماته الأخيرة من قصيدته «رحلوا إلى الماضي بدوني»:

«ورحلت في ذاتي

أفتش عن ملامحي البعيدة

أقتفي أثري

أنقب في الخرائب عن بلادي

أقتفي أثر الخرائط والرسوم، وأقرأ الآثار

هل وطني هنا».

هو المبدع جريس سماوي، يعود هذا العام أكثر حضورا وبهاء رغم الغياب، يعود إلى جرش ليعانق أعمدتها ومدرجاتها من خلال ما يحفّز من إبداع ويحرك من وعي، ومن خلال البرنامج الثقافي لـ «جرش 35»، الذي سيتضمن مؤتمرًا نقديًا للرواية وأمسيات شعرية وقصصية متنوعة، بمشاركة عربية واسعة. ومن خلال التي الجائزة التي أعلنت عنها رابطة الكتاب الأردنيين بالتعاون مع مهرجان جرش، تحت اسم «جائزة الشاعر جريس سماوي لأفضل ديوان شعر صدر خلال عامي 2020 و2021 » تكريمًا واستذكارًا للراحل الكبير.

ويتضمن البرنامج الثقافي لهذه الدورة «الأمسيات الشعرية/ دورة جريس سماوي» على مسرح اأتيمس، في الفترة 23 أيلول-2 تشرين الاول، وبرنامج الندوات الفكرية والأمسيات الشعرية في المركز الثقافي الملكي الذي يتضمن «ملتقى جريس النقدي/ الرواية»، و«ملتقى جريس النقدي/ الآفاق الجديدة للدراما العربية»، وأمسيات شعرية. إضافة لبرنامج الندوات الفكرية والأمسيات الشعرية في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وبرنامج الشعر في المحافظات/ رابطة الكتاب الأردنيين. وسيشارك في البرنامج الثقافي أكثر من 300 مبدع أردني وعربي.

يذكر أن سماوي توفي قبل أشهر بعد صراع مع المرض، وكان يعد علامة فارقة في المشهد الشعري والثقافي والإعلامي العربي. وهو من مواليد عمان في عام ١٩٥٦، درَس حتى المرحلة الإعدادية في بلدته «الفحيص»، وأنهى الثانوية في مدرسة صويلح الثانوية للبنين سنة 1976، ثم دَرَس فن الاتصالات الإعلامي في الولايات المتحدة الأميركية، وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآدابها من الجامعة الأردنية سنة 1988.

عمل في التلفزيون الأردني، معدّاً ومقدّماً لعدد من البرامج الثقافية على القناتين العربية والإنجليزية (1992-1997)، ثم نائباً لمدير مهرجان جرش للثقافة والفنون (1997-2001)، ثم مديراً عاماً للمهرجان (2001-2006). ثم عُيّن أميناً عاماً لوزارة الثقافة (2006-2011)، فوزيراً للثقافة (2011). كما أعدّ وقدّم برامج ثقافية في عدد من المحطات الإذاعية والتلفزيونية، منها: «ذاكرة نغم» و"نون النسوة».

كان سماوي عضواً في اللجنة الوطنية العليا لإعلان عمّان عاصمة للثقافة العربية لعام 2002، واللجنة الأردنية لمعرض «هانوفر» الدولي. ونال الجائزةَ الأولى لأفضل قصيدة عربية عن الانتفاضة الفلسطينية من اللجنة الشعبية الأردنية لدعم الانتفاضة سنة 1987. صدر له ديوان بعنوان «زلّة أخرى للحكمة» عام 2004.

صدرت له مجموعة شعرية وحيدة بعنوان «زلة أخرى للحكمة» رغم أنه كتب الكثير من القصائد وترجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والرومانية والتركية. وقصيدته تمتاز بالرقة والعذوبة وبساطة الكلمات التي يستعيرها من المناطق البرية والطازجة، ويستلهمها من فضاءات التمرد.

يشار إلى أن مهرجان «جرش 35» سينطلق الأربعاء 22 أيلول الجاري، تحت الرعاية الملكية السامية، ويستمر حتى 2 تشرين الأول المقبل، تحت شعار «جرش.. مزينة بالفرح»، بمشاركة ما يزيد عن ٧٠ فنانا أردنيا في الفعاليات، وما يفوق ٣٨ فرقة فلكلورية، بواقع ١٢ فرقة عربية وعالمية، و ٧ فرق تراثية أردنية. وما يزيد عن ٢٧٠ مبدعا ومثقفا، منهم ٣٠ ضيفا عربيا، وهو ما يحدث للمرة الأولى في تاريخ المهرجان، تعبيرا عن التنوع الحاصل في البرنامج الثقافي الذي سيطوف المحافظات.

وسيكون شارع الأعمدة مليئا بالفعاليات، من خلال مشاركة سبع جمعيات وسمبوزيوم للفن التشكيلي في هذه المساحة المهمة بين المسرحين الشمالي والجنوبي للمهرجان. إضافة إلى مشاركة المجتمع المحلي في جرش بنشاطات البرنامج الثقافي وكذلك من خلال أجنحة المشغولات والحرف اليدوية والمأكولات الشعبية لعدد من جمعيات المحافظة.

ويستضيف المهرجان هذا العام عددا من نجوم الغناء العرب، في طليعتهم ماجدة الرومي، ونجوى كرم، وجورج وسوف. وراعى المهرجان مشاركة أكبر عدد من نجوم الفن الأردني وفي مقدمتهم عمر العبداللات، وديانا كرزون، ونداء شرارة، وزين عوض.