الموقف من كيان الاحتلال من أهم القضايا التي اعتمد عليها الإسلاميون في بناء علاقتهم مع الناس منذ عقود، وكان الموقف يقوم على عدم الاعتراف بإسرائيل ورفض اي تطبيع معها تقوم به أي دولة، وكان هذا من أعمدة الفكر والموقف السياسي للإسلاميين في العالم العربي.

لكن هذا الموقف تعرض لتغير جذري عندما دخل الإسلاميون إلى الحكم في بعض الدول، وكانت العلاقة مع إسرائيل إحدى أهم نقاط التفاهمات بين «إخوان مصر» والولايات المتحده قبيل «الربيع العربي»، وعندما حكم الاخوان مصر وسيطروا على الرئاسة والحكومة والبرلمان وضعوا جانباً قضية العلاقة مع إسرائيل، حافظوا على اتفاق كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ولم يغلقوا سفارة الاحتلال في القاهرة، ولم يقطعوا العلاقة مع الاحتلال بل أن الرئيس محمد مرسي أرسل سفيراً مصرياً جديداً لكيان الاحتلال في نهاية عام ٢٠١٢.

نذكر هذا المسار السياسي باعتباره تعبيراً عن تغير فكري وديني من إسرائيل، وخلال العام الذي حكم فيه «الإخوان» لم يتم بحث موضوع الغاء المعاهدة أو تجميدها ولا طرد سفير الاحتلال من القاهرة لا حكومياً ولا رئاسياً ولا حتى من مجلس الشعب.

والمثال الآخر الاستراتيجي ما كان في المغرب من حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية الذي خسر خسارة كبيرة مؤخراً في الانتخابات المغربية بعد أن قاد الحكومة عشر سنوات، هذا الحزب الإسلامي لم يرفض اتفاق السلام بين المغرب وإسرائيل بل كان هو من قاد هذه العملية، وفتح أبواب التطبيع والعلاقات مع كيان الاحتلال، ولم ينسحب أو يستقل أو حتى يعترض على إقامة علاقات دبلوماسية بين المغرب وإسرائيل بل كان هو من أقام هذه العلاقات.

نموذجان مهمان عمليان في موقف الإسلاميين من التطبيع وإقامة علاقات مع إسرائيل تتلاشى أمامهما كل الأحاديث النظرية أو اللافتات التي يتم رفعها في حملات الانتخابات، لأن الموقف النظري لو استمر عشرات السنين فلن يفقد قيمته مع اولى محطات التطبيق، فالإسلاميون في مصر كانوا في هذا الملف مثل السادات ومبارك وغيرهما من قادة مصر، وما كان يقال قبل تولي الحكم لم يعد موجوداً بعد تولي السلطة، وكذلك المغرب التي قاد الإسلاميون حكومتها عشر سنوات لكنهم ختموا المرحلة بموقف واضح في قيادة فتح علاقات مع إسرائيل خلافاً لكل المواقف النظرية.

ربما آن الاوان لمن يضعون أوراقاً فكرية داخل تنظيمات الإسلاميين لمراجعة ما يتعلق بملف التطبيع، فتجربة مصر والمغرب مهمة فكرياً ودينياً، وخاصة مصر مهد الإخوان والتي لم يصدر منها موقف ضد التطبيع والمعاهدة خلال فترة حكم الجماعة فضلاً عن الشرعية التي أسبغها حكم الجماعة على المعاهدة والتطبيع خلال فترة حكمهم بغض النظر عن مدتها الزمنية..