كتابة وتصوير: مفلح العدوان

الدرب يفضي إلى قرية اقترن اسمها بالعلم والشعر والتصوف والفقه، وما زال ذكر علمائها يأخذ مساحة في الكتب القديمة، والأبحاث الحديثة.

هناك من ينتظرنا في باعون

هناك الناس، والشجر، والحجر، وقصص الذين انتسبوا إلى القرية، فصار الخلط الجميل بين من ينتسب إلى الآخر؛ القرية للناس، أم الناس للقرية، فهي باعون، وهم الباعونيون، بدءا من عائلة عائشة الباعونية، وأبيها، وجدها، والباقون من العلماء والفقهاء الذين اقترنت الخانة الأخيرة من اسمهم بباعون.

المسجد القديم

كان الانطلاق باكراً من عمان نحو الشمال، مروراً بجرش، ثم سلاما على عجلون وبعدها ستة كيلومترات نحو الاتجاه الشمالي الغربي، حيث التحيات الطيبات لغابة اشتفينا، قبل الوصول إلى باعون التي يشكل مسجدها القديم علامة فارقة تتميز بها وقد التصق بتلاحم عقائدي مع المسجد الكبير في القرية.

الوجوه بشوشة، والأخضر لون منتشر على جنبات المكان، وكبار القرية لا يبخلون بالحديث عن كل تفاصيل باعون التي يحبون، فكان البدء بإطلالة على مسجد القرية، وموقعها، حيث قالوا: إن مسجد باعون القديم كان قد بني على أثر قديم، قد يكون معبداً، أو كنيسة. كما أن هناك الكثير من الوفود وطلبة الجامعات مرّوا من هذه القرية، كطلبة جامعة هارفرد، واكسفورد، ووفود من تركيا. وقد تم تنظيم مهرجان العيون الثقافي كحدث حضاري ثقافي في القرية. أما حدود القرية، فهي على النحو التالي: يحدها من الشرق محنا واشتفينا، ومن الغرب أوصرة ووادي الريان? ومن الشمال عرجان وراسون، ومن الجنوب لستب ومار الياس».

راهبة الدير

أهم الكتب التي تصلح كمراجع حول باعون المكان الانسان، هي التالية: (كتاب عائشة الباعونية/ شاعرة) للدكتور حسن ربابعة، و(كتاب عائشة الباعونية فاضلة الزمان) للدكتور محمد علي الصويركي، و(كتاب أسرة ناصر الباعوني العلمية في العصر المملوكي) للدكتور حسن الربابعة، وأحمد الربابعة، وكتاب (عائلة الباعوني ودورها في الحياة العلمية في القرنين التاسع والعاشر الهجريين» للدكتور محمد القدحات). وهناك كتب أخرى تندرج فيها ذاكرة وتاريخ قرية باعون في إطار الحديث عن محافظة عجلون، وهنا نشير في تتبع سبب التسمية إلى ما كتبه الباحث احمد?مصطفى القضاة في كتابه (صفحات من جبال عجلون) مشيرا إلى جانب من دلالة الاسم حيث أنه «يقال إن أصل الباء ميم، والكلمة ماعون، والمعنى ماعون الذهب، وقد ورد أن سبب تسمية باعون بحسب ما أورده المقريزي يعود إلى اسم راهبة كان لها دير في تلك المنطقة، ثم أزيل وعُملت القرية مكانه».

هناك دلالات وتأويلات كثيرة لاسم باعون وردت في كثير من الكتب والمصادر، لكن الدكتور حسن ربابعة يضع الخلاص، بترجيحه ما ذهب إليه المقريزي بأن سبب تسمية باعون كان نسبة إلى باعونة، هذه القرية التي بنيت القرية على أنقاض دير باعونة لسببين: أولهما: أن كهفا ذا سراديب عميقة تمتد في باطن الأرض بمسافة تقدر بمئة متر، يحتمل أنها كانت ديرا، وثانيهما توافر مصادر المياه وقربها منها تنشط سكنى الرهبان في باعونة، فسلسبيل عين باعونة لا يبعد عن الكهف أكثر من ثلاثمئة متر شرق، ناهيك عن وادي الريان الذي يتبختر سيله رقة وعذوبة شمالي?دير باعونة بمسافة لا تزيد عن ثلاثة كيلو مترات».

إذن فهذه القرية في بدايات تكونها حملت اسم صاحبة الدير، وظلت تحمله مدة من الزمن، ولكن مع تعاقب الأجيال اختصر الاسم إلى باعون. وباعون اليوم هي إحدى القرى التابعة لمحافظة عجلون شمال الأردن، تقع الى الشمال الغربي من مدينة عجلون على بعد 12 كيلومترا، إذا اعتمدنا المسافة بناء على الطريق المعبدة، أما أفقيا فهي لا تبعد سوى 6كم و100 متر.

رأس القصر

إن الجغرافية التي تقع عليها القرية بكل ما تحمل من زخم، وغنى، تحتاج إلى بوح يفصل طبوغرافيتها، وترابها، وحجارتها، وأحياءها، وباقي تفاصيلها، ذلك أنها ثرية في هذا المضمار، حيث يقول في هذا الباحث أحمد مصطفى القضاة في كتابه (صفحات من جبال عجلون): «وفي منطقة باعون من الجهة الغربية الشمالية من البلدة الحالية تكثر الحجارة المتناثرة التي تدل على استعمالها في المساكن والعمران، وقد نسب إلى قرية باعون عدد من العلماء الذي يدل هذا العدد على التواجد السكاني والعمراني فيها».

فهي قرية قديمة، عتيقة، ملأى بالمظاهر التي تدل على عراقتها، وفيها مواقع أثرية بحاجة إلى اهتمام، وعناية، وهنا نتتبع تلك الآثار، ومسمياتها من خلال ما يصرح به أهل القرية الذين يشيرون إلى أن أهم الآثار الموجودة في باعون توجد في منطقة (راس القصر)، ويقارنون تلك الأهمية ووجود الآثار فيها بسبب قرب القرية من لستب ومار الياس، وأنه كل هذه المنطقة تعتبر منطقة آثار وعراقة، وتلك المنطقة فيها مغائر كثيرة تشير إلى أقدميتها لوجود بناء قصر على رأس القمة.

كما أنه توجد في حدود القرية منطقة (سهلة القلعة) التي يقول كبار القرية أنه كان يوجد فيها قلعة قديمة، ومن هذا الموقع يمكن للواقف هناك أن يشرف على فلسطين ويرى بيسان وغور الأردن.

أما منطقة (سهلة الأمير) فهي مساحة أخرى في القرية، وقد سميت بهذا الاسم لأن أمير المنطقة كان يملك هذه الأرض، وفي زمن قريب كان يستخدمها أهل باعون لسباق الفرسان في الأعراس، وكميدان للرماية واللعب.

وأيضا من المناطق المعروفة في القرية (سطح النمر) وهو سطح كبير عميق بجانب الصخر، ويقال إنه في الأزمنة الماضية كانت تعيش فيها النمور.

ومن المناطق المهمة (وادي العَلَقة)، وفيه يوجد مجرى عين العلقة،و منظره جميل، و كانوا يعتبرونه وادياً بظل واحد لكثرة امتداد الأشجار وتشابكها فيه.

كما أنه يمكن تقسيم القرية إلى عدة أحواض معروفة بأسماء قديمة توارثها الخلف عن السلف، حيث يقول كبار القرية إنه من أسماء أحواضها ومناطقها: حوض البلد، وحوض كرم غنام، وحوض العلقة، وحوض راس جبيل، وحوض الجردون، ومنطقة نص البلد، وحي الجامع، وغيرها من الأحياء المسماة تسميات بعضها حديث وبعضها قديم.

«بِركة مقطوعة بالصخر»

هناك في باعون توجد بركة ماء رومانية قديمة مكانها يقع في المنطقة الجنوبية من القرية، واسم البركة هذه هو لستب، وهي ضمن حدود أراضي باعون، وتوصف بأنها «مقطوعة بالصخر» وتبقى المياه فيها حتى الصيف، وما زالت تصلح للاستعمال حيث تسقى منها المواشي.

يقودنا وصف بركة الماء إلى كشف ما هو متاح من معلومات حول المياه والعيون في قرية باعون، حيث يرصد الدكتور عليان عبد الفتاح الجالودي في كتابه (قضاء عجلون/ 1864-1918م) عيون الماء والينابيع في عجلون، ويشير إلى باعون بأنها توجد فيها عين باعون «البلد». يضيف كبار القرية عن عيون الماء الموجودة في باعون مشيرين إلى وجود كل من (عين باعون الفوقا)، و(عين باعون التحتا)، وهاتان العينان تنبعان من عين تسمى (عين العلقا).

المجلس القروي

أما الناس الذين سكنوا في باعون فيشير إليهم الدكتور خليف غرايبة من حيث إنهم يتبعون إلى منطقة حوض وادي اليابس التي تقع فيها قرية باعون.

وعند رصد عدد السكان في القرية قديما يعود الدكتور غرايبة إلى الدراسة التي قام بها هيتروت وقَدّر فيها عدد سكان المنطقة بناءً على الضرائب التي كانوا يدفعونها، حيث أشار في تلك الدراسة إلى أن باعون خربة مهجورة، هذا عام 1666م، ولم يشر إلى وجود سكان فيها.

لكن الإحصاء الذي أجرته نيابة العشائر لشرق الأردن خلال شهر أيلول 1922م حيث أظهرت تضاعف عدد السكان في المنطقة بأسرها، وفي المنطقة التي تقع فيها باعون، وهي حوض وادي اليابس التي يشار إلى أنها كانت في عام 1600م حوالي 380 نسمة، وأصبحت في عام 1922م حوالي 1185 نسمة.

لكن القرية الآن امتدت وتزايد عدد سكانها، حتى أنه تأسس فيها أول مجلس قروي سنة 1979م، وكان أول رئيس له، ولعدة دورات، عبد الله سالم عنيزات، ثم تحولت إلى بلدية في عام 1995م، وكانت في البداية بالتعيين، وبعد ذلك بالانتخاب، حيث كان أول رئيس منتخب لها هو أحمد محمد عنيزات.

والعشائر الموجودة في الفترة الحاضرة في باعون، والتي تشكل الخريطة الاجتماعية للقرية هي كل من عنيزات، وبني مرتضى، والحواورة، والفواعرة، والدرابكة، والخرافنة.

مقام الشيخ محمد الرقّا

هذا مفتتح لنبش ذاكرة الخير في قرية باعون، ومنه ندلف إلى سرد ما تيسر من دلالات القداسة في هذه القرية، ونسترسل بعدئذ في تتبع أثر العلم والعلماء الأوائل، والفقهاء المعروفين الذين انتسبوا إلى باعون حتى يكون الوصول إلى نقاط من الأزمنة القريبة غير البعيدة عن واقع الحال الآن.

ستكون زيارة البدء، في القرية، إلى مقبرة باعون، وسيلاحظ المهتم امتدادات تلك الشجرة التي عمرها مئات السنوات في منتصف المقبرة، حيث يوجد تحتها عدة أحجار قديمة تشكل (حُوطَة) لمقام عتيق تم نبشه من قبل بعض العابثين، وهذا المقام هو (مقام الشيخ محمد الرَقّا).

ويتذكر أهل القرية أنه في منتصف شارع باعون كانت توجد شجرة عتيقة أخرى اسمها (شجرة الفقير)، وهي مباركة بالنسبة لأهل المنطقة، لكن عندما تم فتح الشارع، تم خلعها، وتدمير الشجرة، ومعها المقام.

المدرسة والمنتدى

أما بالنسبة لذاكرة التعليم والثقافة والعلم، فلا بد في هذا المقام من الإشارة إلى دلالة وجود منتدى يحمل اسم عائشة الباعونية، وهو منتدى «عائشة الباعونية الثقافي» الذي يرأسه الحاج محمد عنيزات، وهو رغم حداثته إلا أنه يعكس روحاً جديدة تستنهض المكان وتاريخه، وتمثل الألق القديم للثقافة والعلماء، ليكون حاضراً وعبرة للجيل القادم، خاصة وأن هذا المنتدى يعمل الآن على أن يكون المسجد القديم، مقرا له، بعد أن يتم ترميمه بعد طول نسيان، وإهمال.

هنا استمعنا في عدة سنوات إلى الحاج محمد عنيزات في حديثه حول مراحل التعليم في القرية، كعتبة أولى للدخول إلى باحة معرفة تاريخ العلماء القدماء الذين انتسبوا إلى قرية باعون، وذاع صيتهم في كل أرجاء الوطن العربي، والعالم الإسلامي، ثم تعداه لينتزعوا الاعتراف بهم على مستوى الثقافة العالمية.

يقول الحاج عنيزات إنه «كانت أول مدرسة في القرية هي على نظام الكتاتيب، وكان الخطيب هو الشيخ حسين الربابعة وانا قريت عنده وكان مع كل واحد منا في هذاك الوقت لوح حديد، مأخوذ من سطل معدني، ومعنا قلم قُصّيب، وحبر خَدّامه (آلة طبخ فخارية مثل القدر الصغير)، ونغط القلم بالمية اللي بالخدامة، وممكن تكون صبغة يود حمرا، ونكتب على اللوح، ونغسله بعد كل مرحلة بقماشة تكون معنا. لكن والدي الله يرحمه قرأ عند الشيخ عبد الوهاب، وهو خطيب فلسطيني، وكمان أنا لَحَّقْت خطيب ثاني في القرية هو الشيخ أبو علي، وكان هذا معه مطرق رمان طو?ل لضرب الطلاب.

أبوي لما قَرَا عند الشيخ عبد الوهاب، كان هذا في جديتا، ولما خلّص القرآن عمل جدي له عزومة كبيرة احتفالا بهذه المناسبة، حيث صار يقرأ قرآن، ويعرف الحساب.

جانب آخر في التعليم هو ما يتعلق بذاكرة المدرسة في باعون، والتي يشير كبار القرية حول بداية تأسيسها إلى أنه «في سنة الواحد والخمسين (1951م) صارت مدرسة باعون وعرجان، وكان البناء غرفة واحدة من الحجر، وفي محلها الآن انشئت المدرسة الثانوية لعرجان، وكانت هذه الغرفة مشتركة بين باعون وعرجان، لكن بعام 1956م صارت مدرسة ابتدائية بعرجان، وكانت مستأجرة، والتدريس فيها للصف السادس ابتدائي، وكان المعلم الوحيد فيها هو الأستاذ نايف احمد سليم المومني.

عائشة.. فاضلة الزمان

بعد هذا المرور على ظروف التدرج الصعب لمؤسسات التعليم، والمدارس في القرية، لا بد من إعطاء مساحة أكبر لما تحمل باعون من زخم ثقافي وعلمي خلال تاريخها القديم، وكيف أن اسمها كان مقترنا بعلماء، وفقهاء، وشعراء انتسبوا اليها، بعضهم من خلال الإقامة، وبعض آخر اقترن بالاسم، ولكنهم جميعا يقترنون بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وقد أشار إلى هذا الباحث المهدي عيد الرواضية في (مدونة النصوص الجغرافية لمدن الأردن وقراه) حيث قال: وينتسب إلى باعون العديد من العلماء والأعيان، لعل من أشهرهم العالمة الشاعرة عائشة بنت يوسف البا?ونية، الفقيهة المجدّة، رحلت في طلب العلم إلى مصر وحلب ولها مؤلفات وأشعار لطيفة، توفيت سنة 922هـ/1516م، ووالدها القاضي يوسف بن أحمد بن ناصر بن خليفة الباعوني، قاضي الشافعية بدمشق، توفي سنة 880هـ/ 1475م.

ويكتب الدكتور محمد القدحات في كتابه «عائلة الباعوني ودورها في الحياة العلمية في القرنين التاسع والعاشر الهجريين» تفاصيل حول سيرة العلماء من عائلة الباعوني يشير إلى أبناء أحمد الباعوني الثلاثة إبراهيم، ومحمد، ويوسف، ومن ثم تأتي عائشة الباعونية وهي ابنة يوسف بن أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن الباعونية، الدمشقية، وتكنى بأم عبد الوهاب، وتعرف ببنت الباعوني نسبة إلى باعون، وقد ولدت في الصالحية، إحدى أحياء دمشق في عام 865هـ/1460م حيث تلقت علومها الأولى على أيدي والدها وأعمامها وبع? علماء دمشق، حُملت إلى القاهرة ونالت فيها من العلوم حظا وافرا، حتى أجيزت بالإفتاء والتدريس.

وحول عائشة الباعونية فإنه لا بد في هذه المساحة الكتابية من إيراد وصفها عند العلماء، ومكانتها لديهم، وفي زمانها، حيث يقول الغزي في (الكواكب السائرة) عنها بأن عائشة الباعونية هي «من نوادر الزمان فضلا وأدبا وشعرا وديانة وصيانة»، ويشير إليها الحنبلي في (درّ الحجب) بأنها «حازت كامل نصيب من روائع وبدائع المنثور والمنظوم» وقد أطلق عليها عبد الغني النابلسي في كتابه (نفحات الأزهار) لقب «فاضلة الزمان»، وقد استعار هذا الوصف الدكتور محمد علي الصويركي حين أصدر كتابه حولها في عام 2006م فأعطاه عنوان (عائشة الباعونية.. فا?لة الزمان)، حيث تتبع في كتابه المهم هذا سيرة حياة عائشة الباعونية، ونسبها، ونشأتها، وزواجها، ورحلاتها العلمية والدينية، وصفاتها، وثقافتها، وتلاميذها، وأسرتها، وأجدادها، وعرض نماذج من أشعارها متوقفا عند قصيدة الفتح المبين في مدح الأمين(البديعية)، وهي من أشهر قصائد البديع المعروفة بالبديعيات في اللغة العربية، وتتألف من مئة وثلاثين بيتا حشدت فيها مئة وثلاثين نوعا من المحسنات البديعية، حيث حازت عائشة الباعونية بفضل بديعيتها هذه على لقب شاعرة البديع الأولى في الإسلام.

***

تلك القرية المشرقة بكل ما فيها من خضرة وتاريخ وذاكرة، تحمل في إهابها إرث دير وراهبة أخذت الاسم منها، وعلى مرّ مئات السنين بقي مخطوطها يسجل الكثير من أسماء العلماء والشعراء والفقهاء الذين ينتسبون إليها، وأشهرهم عائشة الباعونية. قرية فيها تلتقي عيون الماء بينابيع العلم، فتبقى خضرتها نماء خير على مرّ العصور.. تلك هي قرية باعون.